تواصل المأساة الإنسانية في قطاع غزة فصولها وسط شح المساعدات الإنسانية وتعقيدات المشهد الميداني، حيث أكدت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أنها لم تتمكن منذ ستة أشهر من إدخال أي مساعدات إغاثية أساسية إلى العائلات التي تعيش في ظروف قاسية. هذا العجز لا يعكس فقط حجم الانسداد في إدخال المواد الحيوية كالمستلزمات الطبية والإيوائية، بل يترجم واقع الحصار المفروض على القطاع الذي جعل عشرات الآلاف من الأسر محرومة من أبسط مقومات الحياة.
خطط غير قابلة
الأونروا شددت في بيانها الأخير على أن الحاجة إلى المراتب والبطانيات والخيام باتت ملحّة، في وقت يتكدس النازحون في مخيمات مكتظة، بينهم أطفال يضطرون للسير فوق تلال القمامة في مشهد يلخص انهيار النظام المعيشي والصحي على حد سواء. هذه المشاهد تعكس حالة الانهيار البنيوي الذي وصل إليه القطاع تحت وطأة القصف المستمر والحصار الطويل، وهو ما جعل المخيمات أشبه بمناطق منكوبة، تفتقر إلى مقومات البقاء الآمن أو الحياة الكريمة.
في المقابل، تواصل إسرائيل الإعلان عن خططها لإخلاء مدينة غزة باعتبارها “منطقة قتال خطيرة”، وهو توصيف يشرعن المزيد من عمليات التهجير القسري. لكن اللجنة الدولية للصليب الأحمر حذرت من أن هذه الخطط غير قابلة للتنفيذ عملياً، إذ إن إفراغ مدينة مكتظة من سكانها دون بدائل حقيقية أو بنية تحتية قادرة على الاستيعاب يعد وصفة لمزيد من الكارثة الإنسانية. التناقض بين الطرح الإسرائيلي والواقع الميداني يكشف بوضوح أن السكان المدنيين يدفعون الثمن الأكبر في هذه المعادلة العسكرية والسياسية.
حرمان السكان من المساعدات
أما الإجراءات التي تروّج لها وحدة التنسيق الإسرائيلية (كوغات) مثل إنشاء أنبوب مياه جديد من مصر أو إعادة تشغيل محطة تحلية في جنوب القطاع وربطها بالكهرباء، فهي خطوات تبدو شكلية مقارنة بحجم الاحتياجات الحقيقية، ولا يمكن أن تغطي العجز الناجم عن الحصار الشامل. بل إن هذه الإجراءات تُقدَّم كإطار دعائي يهدف إلى الإيحاء بوجود استجابة إنسانية، بينما الواقع يؤكد استمرار حرمان السكان من المساعدات الأساسية.
اللافت أن هذه التطورات تأتي في ظل الحديث عن إعادة فتح “المستشفى الأوروبي” في خان يونس بعد أسابيع من إغلاقه إثر عملية عسكرية إسرائيلية. ورغم أن إعادة تشغيل مستشفى بحجم كهذا يمثل خطوة مهمة، إلا أن غياب منظومة متكاملة للرعاية الصحية والإمدادات الطبية يجعل أثر هذه الخطوة محدوداً، خصوصاً مع الارتفاع الكبير في أعداد الجرحى والمصابين والمرضى الذين يحتاجون إلى رعاية عاجلة.
أداة ضغط سياسي
التحليل الأوسع يكشف أن الأزمة لم تعد إنسانية فقط، بل تحولت إلى أداة ضغط سياسي في سياق الحرب المستمرة. حرمان السكان من المساعدات وتقييد حركة الإغاثة يشكلان ورقة ابتزاز تستهدف المجتمع الدولي بقدر ما تستهدف الفلسطينيين أنفسهم. وفي المقابل، فإن نداءات الأونروا والصليب الأحمر والمنظمات الإنسانية الأخرى تبدو عاجزة عن كسر هذا الطوق من دون إرادة دولية فاعلة، وهو ما يضع مستقبل مئات الآلاف من النازحين، وفي مقدمتهم الأطفال والنساء وكبار السن، على المحك.
بذلك يظهر أن قطاع غزة يواجه اليوم مزيجاً كارثياً من الحصار والدمار والتجويع، حيث لا تكفي البيانات الأممية ولا الوعود الإسرائيلية لوقف الانحدار الإنساني. المطلوب رفع الحصار بشكل كامل وإدخال مساعدات عاجلة وشاملة، وإلا فإن الوضع مرشح لمزيد من الانفجار الذي سيتجاوز حدوده الجغرافية ليشكّل وصمة عار جديدة على جبين النظام الدولي.






