تخشى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، بالتزامن مع الانتخابات المقبلة، وسط تقديرات باحتمال تنفيذ مجموعات من اليمين المتطرف تحركات منسقة للاستيلاء على أراضٍ فلسطينية وإقامة بؤر استيطانية جديدة، تحسبا لتغيير الحكومة واحتمال إخلاء بؤر قائمة.
وبحسب ما أوردته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، مساء الأربعاء، نقلا عن مصادر مطلعة على تقييمات الوضع في الجيش الإسرائيلي، فإن الأجهزة الأمنية تستعد لاحتمال لجوء مجموعات من المستوطنين المتطرفين إلى فرض وقائع ميدانية جديدة إذا خسر معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الحكم، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع نطاق الاعتداءات وصعوبة احتوائها.
مخاوف من تحركات استيطانية منسقة
تتركز المخاوف الأمنية الإسرائيلية على احتمال تنفيذ ما وصفته المصادر بـ«هجوم خاطف»، يشمل الاستيلاء على مساحات إضافية من الأراضي الفلسطينية، وإقامة بؤر استيطانية جديدة، وتنفيذ اعتداءات متزامنة ضد السكان في مناطق متفرقة من الضفة الغربية.
وتشير هذه التقديرات إلى أن بعض المجموعات المتطرفة قد تسعى إلى استباق أي تغيير سياسي محتمل عبر تكريس وجودها على الأرض، خشية أن تتجه الحكومة المقبلة إلى إخلاء بؤر استيطانية أو اتخاذ إجراءات تحد من أنشطتها.
وتحذر مصادر أمنية من أن الأسابيع المقبلة ستشكل اختبارا لقدرة السلطات الإسرائيلية على فرض القانون في الضفة الغربية، في ظل اتساع رقعة الاعتداءات وتعدد المواقع التي تنشط فيها مجموعات المستوطنين.
الجيش يعزز قواته وسط اعتراف بصعوبة السيطرة
في مواجهة هذه المخاوف، يعمل الجيش الإسرائيلي على تعزيز قواته في الضفة الغربية، مع المطالبة بزيادة انتشار وحدات «حرس الحدود» الشرطية، ولا سيما في المناطق التي تشهد نشاطا متكررا لمجموعات المستوطنين المتورطة في اعتداءات على الفلسطينيين.
غير أن هذه الإجراءات لا تبدد المخاوف داخل المؤسسة الأمنية، إذ نقلت «هآرتس» عن مصادر مطلعة شعورا متزايدا بالعجز عن احتواء الاعتداءات، بسبب انتشارها في مواقع متعددة وتحرك منفذيها بصورة متزامنة، بما يصعّب على القوات التعامل معها ومنعها قبل وقوعها.
ونقلت الصحيفة عن مصدر أمني مطلع على الأوضاع في الضفة الغربية قوله: «كل من يقول لك إن هناك سيطرة يكذب. الجيش والشاباك والشرطة فقدوا السيطرة على المنطقة. إنهم يركضون من موقع إلى آخر خلف مثيري الشغب. المشكلة أنه لا يُبذل أي جهد حقيقي لاستعادة السيطرة».
وتعكس هذه التصريحات، بحسب التقرير، حجم الانتقادات داخل الأجهزة الأمنية بشأن آليات التعامل مع اعتداءات المستوطنين، ومدى قدرة القوات المنتشرة في الميدان على الانتقال من الاستجابة للحوادث بعد وقوعها إلى منعها بصورة استباقية.
انتقادات لغياب خطة عملياتية مسبقة
ولا تقتصر التساؤلات على حجم القوات المنتشرة في الضفة الغربية، بل تمتد إلى طريقة إدارة الملف أمنيا، إذ يتساءل مسؤولون في الجيش الإسرائيلي عن أسباب عدم إعداد خطة عملياتية مسبقة لمنع الاعتداءات، رغم معرفة الأجهزة الأمنية بالمناطق التي تنشط فيها المجموعات المتطرفة وهويات عدد من أبرز المتورطين فيها.
وبحسب المصادر التي نقلت عنها «هآرتس»، فإن تعزيز القوات قد يسهم في تحسين سرعة الاستجابة للحوادث، لكنه لا يعالج بالضرورة أوجه القصور في إنفاذ القانون، ولا يضمن منع الاعتداءات قبل وقوعها.
وتبرز هذه الانتقادات في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تتحول الفترة المحيطة بالانتخابات إلى فرصة أمام مجموعات متطرفة لتوسيع نشاطها الميداني، مستفيدة من تعدد بؤر التوتر وصعوبة مراقبة جميع المناطق في وقت واحد.
اجتماع أمني برئاسة زامير دون قرارات جوهرية
وفي سياق الاستعداد لهذه التطورات، عقد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، الثلاثاء، اجتماعا أمنيا بمشاركة مسؤولين كبار من الأجهزة الأمنية وجهات معنية بالوضع في الضفة الغربية، لبحث اعتداءات المستوطنين وما تصفه السلطات الإسرائيلية بالإرهاب اليهودي.
لكن الاجتماع انتهى، وفق مصادر مطلعة على مداولاته نقلت عنها الصحيفة، دون اتخاذ قرارات جديدة وجوهرية، رغم التحذيرات من احتمال اتساع الاعتداءات خلال الفترة السابقة للانتخابات والتي تليها.
كما أثار غياب ممثلين عن مكتب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن يسرائيل كاتس، ومجلس الأمن القومي، انتقادات داخل قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي.
وترى مصادر أمنية أن خطورة الوضع والصعوبات التي تواجه القوات في الميدان تستدعي مشاركة مباشرة من القيادة السياسية، سواء في تحديد الأولويات أو توفير الدعم اللازم لتنفيذ إجراءات أكثر فاعلية لفرض القانون.
ووصف مصدر مطلع الاجتماع بأنه أقرب إلى إجراء تقييم أمني للأوضاع منه إلى اجتماع أفضى إلى خطوات عملية جديدة، مشيرا إلى أن المشاركين كانوا على دراية بموقف القيادة السياسية من التعامل مع المستوطنين المتورطين في الاعتداءات، حتى في ظل غياب ممثلي الحكومة.
أوامر إبعاد بدلا من الاعتقالات الإدارية
وفي مسار موازٍ، تتجه جهات أمنية إسرائيلية، بالتعاون مع النيابة العامة والنيابة العسكرية، إلى العمل على إصدار أوامر إبعاد عن الضفة الغربية بحق ناشطين من المستوطنين يُشتبه في تورطهم في التحريض على العنف أو المشاركة في الاعتداءات.
وتأتي هذه الخطوة في ظل قرار وزير الأمن يسرائيل كاتس الامتناع عن استخدام الاعتقالات الإدارية بحق المستوطنين، وهو ما يدفع الأجهزة الأمنية إلى البحث عن وسائل بديلة للحد من تحركات المجموعات المتطرفة.
ويطالب الجيش وجهاز الأمن العام «الشاباك» بتوسيع نطاق أوامر الإبعاد وزيادة عدد المشمولين بها، في محاولة لتقييد قدرة هذه المجموعات على تنظيم أنشطتها خلال المرحلة المحيطة بالانتخابات.
لكن فاعلية هذه الإجراءات تبقى مرتبطة بمدى تنفيذها على الأرض، وقدرة السلطات على منع الاعتداءات ومحاسبة المتورطين فيها، في ظل الانتقادات التي تتحدث عن فجوة بين التحذيرات الأمنية المتكررة والإجراءات العملية المتخذة لمواجهتها.
الضفة الغربية أمام اختبار أمني وسياسي
وتضع هذه التقديرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أمام اختبار يتجاوز الاستعداد لاعتداءات محتملة خلال الأيام المقبلة، إلى مسألة قدرتها على فرض القانون في الضفة الغربية، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع التوترات السياسية والاستيطانية.
وبين المخاوف من تحركات متزامنة للمستوطنين، والانتقادات الموجهة إلى غياب خطط وقائية وقرارات سياسية حاسمة، يبقى احتمال تصاعد الاعتداءات مصدر قلق للأجهزة الأمنية، ولا سيما إذا أفضت الانتخابات إلى تغيير في موازين القوى داخل الحكومة الإسرائيلية.
وفي المقابل، يظل الفلسطينيون الأكثر عرضة لتداعيات هذه التطورات، في ظل مخاطر الاعتداءات على السكان والأراضي الزراعية والممتلكات، وما قد يترتب على إقامة بؤر جديدة والاستيلاء على الأراضي من تكريس وقائع استيطانية إضافية في الضفة الغربية المحتلة.






