تشهد الساحة السياسية في العراق مرحلة حساسة تتعلق بمستقبل «الحشد الشعبي» والفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، في ظل نتائج الانتخابات الأخيرة وصعود أحزاب شيعية تمتلك وزناً برلمانياً يتيح لها لعب دور مركزي في تشكيل الحكومة المقبلة. ورغم أن الحديث عن «إصلاح الحشد» أو «إعادة تنظيمه» ليس جديداً في النقاش السياسي العراقي، فإن اللحظة الراهنة تبدو مختلفة بسبب تزامن ثلاثة عوامل مؤثّرة: تبدّل مواقف قوى داخل الإطار التنسيقي، وضغوط أميركية غير مسبوقة، وتنامي رغبة إيرانية في إعادة معايرة أدوار أذرعها بما يتناسب مع خريطة إقليمية متحركة.
خطورة وجود كيانات مسلّحة ذات ولاء سياسي
الجدل حول مستقبل الحشد الشعبي لا ينطلق من فراغ، فالمؤسسة التي أنشئت بفتوى دينية وضرورات أمنية تحوّلت إلى كيان يضم عشرات الفصائل، بعضها أكثر التصاقاً بالقرار الأمني العراقي، وبعضها الآخر أكثر قرباً من طهران وتموضعاً في سياق «محور المقاومة». ومع انتهاء الحرب على تنظيم «داعش» وتراجع الحاجة إلى بنية قتالية موازية للجيش، برزت تساؤلات ملحّة حول ضرورة معالجة الإشكالات الهيكلية التي رافقت صعود الحشد، وبخاصة تضخم عدد مقاتليه، وتشعب مصادر تمويله، وتعدد مراكز القرار بداخله، فضلاً عن حضوره السياسي المتعاظم.
تدور النقاشات الحالية داخل الإطار التنسيقي حول ثلاثة مسارات رئيسية، لكل منها مؤيدون ومعارضون، ولكل منها آثار سياسية وأمنية ستنعكس على شكل الدولة العراقية في السنوات القادمة. المسار الأول يتمثل في دمج الحشد الشعبي بالكامل داخل مؤسسات الدولة، وإعادة تشكيل وحداته بما ينسجم مع هيكلية القوات المسلحة، وهو خيار تدعمه أطراف تعتبر أن الدولة لم تعد تتحمل ازدواجية في السلطة العسكرية، وأن استمرار كيانات مسلّحة ذات ولاء سياسي قد يعرّض السلم الأهلي للاهتزاز. غير أن هذا المسار يصطدم بعقبات عدة، أبرزها رفض عدد من الفصائل التي ترى في الدمج الكامل تهديداً لهويتها ودورها العقائدي، وإمكانية فقدان مكاسب سياسية واقتصادية راكمتها خلال السنوات الماضية.
مصالح واشنطن تواجه تعقيدات داخلية عميقة
المسار الثاني الذي يناقشه قادة الإطار يقوم على تقليص عديد الحشد وضبطه مالياً وأمنياً، وهو خيار «وسطي» ينظر إليه باعتباره خطوة واقعية يمكن أن تحقق توافقاً نسبياً بين الفصائل الرافضة للتفكيك وبين الأطراف المطالِبة بإصلاحات جوهرية. ويعتبر داعمو هذا التوجه أن تقليص عدد المقاتلين وترشيد التمويل سيحدّ من الفساد الذي طغى على ملفات الرواتب والتعيينات، كما أنه سيعيد ضبط العلاقة بين الحشد ومؤسسات الدولة، من دون المساس بالهيكل العام أو الرمزية التي يمثلها. لكن هذا الخيار، رغم وسطية طرحه، يظلّ محفوفاً بالقلق من امتعاض فصائل كبيرة ترتبط عضوياً بإيران وترى في أي خفض للعديد استهدافاً مباشراً لها.
أما المسار الثالث، وهو الأكثر حساسية، فيتعلق بفك ارتباط الحشد عن العمل السياسي وإخضاعه لقيادة عسكرية مركزية تمنع استخدامه كأداة ضغط انتخابي أو تفاوضي. ويبدو هذا الطرح مطلباً أميركياً ملحّاً، إذ ترى واشنطن أن استمرار الفصائل في العمل السياسي يمنحها قدرة على تعطيل مؤسسات الدولة والضغط على الحكومة، فضلاً عن تهديد مصالحها ومصالح حلفائها في العراق. غير أن هذا المسار يعاني تعقيدات داخلية عميقة؛ فالكثير من الفصائل أسست أحزاباً سياسية وأذرعاً انتخابية تشكل اليوم جزءاً من مشهد الحكم، والتخلي عن النفوذ السياسي يعني خسارة امتيازات اكتسبتها خلال سنوات طويلة.
تتقاطع هذه المسارات الثلاثة مع ضغوط خارجية وترتيبات إقليمية لا يمكن تجاهلها. فإيران، اللاعب الأبرز في ملف الحشد، لا تبدو في وارد التخلي الكامل عن أدواتها الناعمة والصلبة في العراق. لكنها، في الوقت نفسه، تواجه ضغوطاً اقتصادية وسياسية قد تجعلها أكثر ميلاً إلى إعادة هيكلة نفوذها بطريقة أقل استفزازاً للولايات المتحدة وحلفائها. وتشير مصادر سياسية إلى أن طهران لم تعد تشجّع على توسّع الفصائل أو تصعيدها داخل العراق، بل باتت تفضّل نموذجاً أقرب إلى «الانضباط المرن» الذي يحافظ على النفوذ من دون وضع العراق في مواجهة مباشرة مع واشنطن.
الشيعة وتوازنات السلطة
الولايات المتحدة من جهتها عادت لتربط بشكل واضح بين مستقبل العلاقات مع الحكومة العراقية وبين قدرة بغداد على «إنهاء مصادر التهديد»، وهو تعبير يشمل الفصائل المسلحة ذات الارتباط الإيراني. وتبدو واشنطن، وفق مصادر داخلية، مستعدة لخوض مفاوضات غير تقليدية مع قوى الإطار، شرط وجود ضمانات حقيقية بأن أي حكومة جديدة ستتجه نحو ضبط السلاح، وتقليص نفوذ الفصائل في القرار السياسي، ومنع الهجمات التي تستهدف المصالح الأميركية في العراق وسوريا.
اللافت في المشهد أن الأحزاب الشيعية الفائزة في الانتخابات لا تتعامل مع ملف الحشد باعتباره مجرد بند أمني، بل كملف سياسي معقد يرتبط بتوازنات السلطة داخل البيت الشيعي نفسه. فالفصائل ليست كتلة واحدة، بل تتباين في علاقاتها مع إيران وفي حجم تأثيرها داخل الإطار التنسيقي. بعض الفصائل يميل إلى تهدئة مع الولايات المتحدة حفاظاً على شرعية الحكومة المقبلة، فيما تسعى فصائل أخرى إلى تعزيز حضورها الميداني والسياسي باعتباره ضمانة لعدم إقصائها في التسويات القادمة.
هذه الخلافات تعقّد التوصل إلى صيغة نهائية، وتجعل أي اتفاق مرتبطاً بإجماع داخلي داخل الإطار، وهو إجماع لم يتحقق حتى اللحظة. وبحسب مصادر سياسية، فإن بعض قادة الفصائل لا يمانعون إعلان «مبادئ عامة» حول ضبط السلاح وإعادة تنظيم الحشد، ولكنهم يصرون على تأجيل أي خطوات تنفيذية لحين الحصول على «الضوء الأخضر» من طهران. وبذلك يصبح مستقبل الحشد ليس قراراً عراقياً خالصاً، بل نتيجة معادلة ثلاثية الأطراف: الإرادة الداخلية، والرغبة الإيرانية، والضغط الأميركي.
حسابات النفوذ الإقليمي
ورغم التعقيدات، تشير معطيات سياسية إلى وجود استعداد لدى قوى شيعية لإدراج ملف الحشد ضمن البرنامج الحكومي الجديد، في محاولة لتحقيق توازن بين متطلبات الشارع العراقي الذي يطالب بحصر السلاح بيد الدولة، وبين حسابات النفوذ الإقليمي. وإذا ما تمكنت القوى السياسية من صياغة مقاربة واقعية تأخذ في الاعتبار خصوصية الحشد وتنوعه وأدواره السابقة، فقد يكون بالإمكان التوصل إلى نموذج «دمج تدريجي» يضمن الاستقرار الأمني ولا يستفز الفصائل أو الجهات الخارجية.
لكن الطريق إلى ذلك لا يبدو سهلاً. فإعادة هيكلة الحشد ليست خطوة تقنية، بل قرار عالي الحساسية يمس توازنات القوى داخل العراق وخارجه. كما أن أي محاولة لدمجه أو تقليصه أو تحجيم نفوذه السياسي ستثير مخاوف لدى قواعده الشعبية التي ترى فيه حصناً يحمي مصالحها وهويتها. وبالتالي، فإن أي إصلاح يجب أن يكون متدرجاً ومدعوماً بضمانات سياسية ومجتمعية، لكي لا يتحول إلى شرارة صراع داخل البيت الشيعي أو بين الدولة والفصائل.
العراق يقف أمام اختبار حقيقي: إما تعزيز مؤسسات الدولة وتوحيد قرارها الأمني، أو استمرار حالة الازدواجية التي تعيق بناء الدولة وتفتح الباب أمام تدخلات خارجية لا تنتهي. مستقبل الحشد الشعبي سيبقى مرهوناً بمدى قدرة الإطار التنسيقي على تجاوز خلافاته، وقدرة الحكومة المقبلة على تحقيق توازن دقيق بين استقلال القرار العراقي وعدم استعداء القوى الإقليمية والدولية المؤثرة.






