عادت حرب الطائرات المسيّرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» لتتصدر المشهد العسكري مجدداً، بعد فترة هدوء نسبي خلال الأشهر الماضية، غير أن جولة التصعيد الأخيرة جاءت أكثر عنفاً واتساعاً، إذ تزامنت مع إعلان حكومة موازية من قِبل «تحالف السودان التأسيسي» في نيالا، وهو ما ألقى بظلاله الثقيلة على فرص التهدئة ومسار الحل السياسي.
قصف المستشفيات والمرافق المدنية
الهجمات الأخيرة طالت مستوصف «يشفين» بمدينة نيالا، التي اتخذها تحالف «تأسيس» مقراً لعاصمته، وأدى القصف إلى مقتل مدنيين بينهم أربع نساء، إضافة إلى عشرات المصابين من عناصر «الدعم السريع».
ولم تمضِ ساعة حتى تعرض «مستشفى الشهيد بركة الله» شرق المدينة لضربة جديدة، ما زاد من المخاوف بشأن استهداف المرافق الصحية والمدنية في النزاع القائم.
في المقابل، أعلن الجيش السوداني أن طائرات مسيّرة تابعة لـ«قوات الدعم السريع» قصفت بلدة «أولاد الشريف» في ولاية شمال كردفان، ما أسفر عن مقتل خمسة مدنيين من أسرة واحدة. هذه الحادثة عمّقت مشاعر الغضب الشعبي وأثارت تساؤلات حول مدى التزام الطرفين بقواعد القانون الدولي الإنساني.
حكومة «تأسيس» تدخل المشهد
تطورات الحرب الأخيرة جاءت بالتزامن مع أداء المجلس الرئاسي الذي شكله «تحالف السودان التأسيسي» المدعوم من «الدعم السريع» لليمين الدستورية في نيالا.
الخطوة، التي وُصفت بأنها إعلان عن «حكومة سلام موازية»، اعتبرها مراقبون محاولة لفرض أمر واقع سياسي يكرّس الانقسام، ويضعف مساعي المجتمع الدولي لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس توافقية.
تصعيد يهدد فرص التفاوض
يرى خبراء أن استئناف حرب المسيّرات بهذا الزخم ينذر بمرحلة أكثر دموية في الصراع، خصوصاً أن الطرفين يستخدمانها كسلاح «استراتيجي» لتعويض النقص في القوات والعتاد.
ويخشى محللون أن يؤدي التصعيد العسكري المتزامن مع التجاذبات السياسية إلى إغلاق أبواب التفاوض، وإدخال السودان في دوامة أوسع من الفوضى.
الهجمات على منشآت مدنية، بينها مستودعات وقود ومرافق صحية، تثير قلقاً متزايداً بشأن الاقتصاد السوداني المنهك. فالقصف يهدد خطوط الإمداد الحيوية، ويزيد من أسعار الوقود والسلع الأساسية، في وقت تعاني فيه البلاد من تضخم قياسي وانهيار قيمة العملة المحلية. ويرى خبراء أن استمرار حرب المسيّرات قد يُفقد السودان ما تبقى من مقومات اقتصاده الهش.
مواقف إقليمية متباينة
التصعيد الجديد لم يمر دون ردود فعل إقليمية؛ فبعض الدول العربية والإفريقية عبّرت عن قلقها من تمدد النزاع وتداعياته على استقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
كما حذرت تقارير دبلوماسية من أن حرب المسيّرات قد تستجلب دعم أطراف إقليمية متنافسة، ما يفاقم الأزمة ويحوّلها إلى صراع بالوكالة بين قوى خارجية.
ويضع المشهد الجديد في السودان المجتمع الدولي أمام تحدٍ كبير: فبينما تدعو الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي إلى وقف فوري لإطلاق النار، يبدو أن الحسابات الميدانية والسياسية تعمّق الانقسام.
وتؤكد تقارير دبلوماسية أن استمرار القصف على المدن والمرافق المدنية قد يفتح الباب أمام إدانات أممية جديدة، وربما عقوبات تستهدف الأطراف الضالعة في الهجمات.







