أعلن محمد رضا جلخي، رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، أن عدد الأشخاص الذين فُقدوا منذ سبعينات القرن الماضي وحتى اليوم قد يتجاوز 300 ألف شخص، في واحدة من أعقد وأثقل القضايا التي تواجه المجتمع السوري بعد عقود من القمع والحرب.
وأوضح جلخي، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، أن تقديرات الهيئة تشير إلى أرقام تتراوح بين 120 ألفاً و300 ألف مفقود، مع احتمال أن تكون الحصيلة أكبر بكثير بسبب صعوبة التوثيق والحصر.
من عهد الأسد الأب إلى سقوط الابن… عقود من القمع
الهيئة، التي أُنشئت في مايو (أيار) الماضي، تمتد صلاحياتها منذ عام 1970، أي منذ تولي حافظ الأسد السلطة عبر انقلاب عسكري أبيض، وصولاً إلى نهاية حكم نجله بشار الأسد الذي أطيح به في ديسمبر (كانون الأول) بعد أكثر من 20 عاماً من الحكم بقبضة من حديد.
خلال العقود الأخيرة، شهد السوريون موجات من الاعتقالات والاختفاءات القسرية، بدءاً من أحداث الثمانينات وصولاً إلى الحرب الأهلية التي تفجرت عام 2011 عقب قمع الاحتجاجات الشعبية.
الحرب الأهلية… مقابر جماعية وجرائم بلا حدود
مع اندلاع النزاع المسلح، تزايدت حالات الاختفاء القسري بشكل غير مسبوق. وأشارت تقارير إلى أن جميع الأطراف تورطت في الانتهاكات، من بينها تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من سوريا والعراق، وارتكب فظائع مروعة بينها الإعدامات الجماعية.
وكشف جلخي أن الهيئة تمتلك خريطة تضم أكثر من 63 مقبرة جماعية موثقة داخل سوريا، لكنه لم يفصح عن أماكنها أو هوية الضحايا الذين دُفنوا فيها.
خطوات أولية… بنك بيانات لكشف الهوية
تعمل الهيئة حالياً على إنشاء بنك بيانات شامل للمفقودين، يهدف إلى مساعدة العائلات على معرفة مصير أبنائها. ويُتوقع أن يشمل هذا البنك عينات وراثية ووثائق وشهادات، في محاولة لكشف مصائر المفقودين الذين يمثلون أحد أكثر الملفات إيلاماً في التاريخ السوري الحديث.
ولم تعد قضية المفقودين شأناً سورياً داخلياً فقط، بل تحولت إلى همّ دولي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، حذرت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولياريتش من أن مهمة تحديد مصير المفقودين «ستكون هائلة» وستتطلب سنوات من العمل المضني.
كما زارت رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، كارلا كينتانا، نساء سوريات ما زلن يبحثن عن ذويهن، مؤكدة أن الملف يمثل اختباراً حقيقياً لمسار العدالة الانتقالية.
عدالة انتقالية أم جرح مفتوح؟
جلخي وصف قضية المفقودين بأنها «من أعقد الملفات وأكثرها إيلاماً في سوريا»، مشدداً على أنها تمثل أساساً ضرورياً لتحقيق العدالة الانتقالية والسلم الأهلي.
لكن السؤال يبقى: هل ستنجح السلطات الجديدة في كشف الحقيقة وإنصاف مئات آلاف العائلات المكلومة، أم سيظل الملف جرحاً نازفاً في جسد سوريا لعقود أخرى؟






