دخل الصراع المحتدم في الشرق الأوسط مرحلة تكسير عظام إستراتيجية تتجاوز حدود خطوط النار التقليدية، لتجمع بين إعادة هندسة الجغرافيا الميدانية في جنوب لبنان، وشن أوسع حرب مالية أمريكية تجفف ما توصف بـ “شرايين الأكسجين” لمنظومة حزب الله الموازية. وتأتي هذه التطورات المتلاحقة لتعيد صياغة شروط تطبيق “الاتفاق الإطاري” بين بيروت وتل أبيب، وتحوله من مسار تهدئة دبلوماسي إلى كماشة مزدوجة تضغط عسكرياً واقتصادياً لفرض واقع إقليمي جديد.
وفي خطوة ميدانية لافتة تحمل دلالات سياسية بالغة التعقيد، اختار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رفقة وزير دفاعه يسرائيل كاتس، قلب “المنطقة الأمنية” داخل الأراضي اللبنانية ليُعلن من هناك نسف جداول الانسحاب التجريبي التي كانت مقررة سابقاً. وأكد نتنياهو لجنوده أن القوات الإسرائيلية لن تغادر الجنوب اللبناني ما دام التهديد قائماً وما دام سلاح حزب الله حاضراً على الحدود، معلناً عن تحول جذري في العقيدة الأمنية لتل أبيب يرتكز على إنشاء مناطق عازلة وأمنية في عمق الأراضي اللبنانية -على غرار ما جرى في قطاع غزة- لقطع الطريق نهائياً أمام أي تموضع مستقبلي للمجموعات المسلحة.
هذا التثبيت العسكري الميداني دعمه نتنياهو بلغة الأرقام، مشيراً إلى أن الهجمات الإسرائيلية نجحت في تقليص ترسانة حزب الله الصاروخية الضخمة من 150 ألف صاروخ وقذيفة إلى نحو 8 في المائة فقط، فضلاً عن تحييد 9 آلاف من مقاتلي الحزب، بينهم مئات القادة في الأسابيع الأخيرة. وفي مفارقة سياسية، اعتبر نتنياهو أن الموقف الراهن يمهد لاعتراف متبادل بسيادة الدولتين اللبنانية والإسرائيلية الساعيتين للعيش بسلام، موجهاً رسالة حاسمة لطهران وفصائلها بضرورة المغادرة، وهي خطوة يراها المراقبون صفعة مباشرة للمحور الإيراني قد تدفع نحو ردود فعل غير متوقعة.

بالتزامن مع هذا الضغط الميداني، أطلقت وزارة الخزانة الأمريكية حزمة عقوبات وُصفت بالأعنف، استهدفت شل البنية التحتية المالية لحزب الله عبر إدراج 5 كيانات و16 مسؤولاً وشخصية بارزة. وشملت المقصلة الأمريكية مؤسسة “القرض الحسن” التي اتهمتها واشنطن بإدارة حسابات شكلية ووسطاء لدعم أنشطة عسكرية وسياسية تحت غطاء مدني، بالإضافة إلى مؤسسة “بيت المال” التي تمثل الخزانة غير الرسمية الخاضعة للإشراف المباشر للأمين العام للحزب، والتي نجحت على مدار عقد كامل في تحريك أكثر من 500 مليون دولار عبر الالتفاف على النظام المصرفي الرسمي واستغلال حسابات مشتركة في بنوك لبنانية وأمريكية.
ولم تقتصر العقوبات على المؤسسات، بل طالت الرأس المدبر لوحدة التمويل المركزية، إبراهيم علي ضاهر، المسؤول عن الميزانية العامة والنفقات ودفع المستحقات، إلى جانب المدير التنفيذي للقرض الحسن عادل محمد منصور وأحمد محمد يزبك وعدد من الصيارفة ومسؤولي شبكات الذهب والتجارة الموازية. ووفقاً لمصادر في الإدارة الأمريكية، فإن هذه الإجراءات تهدف بالدرجة الأولى إلى حماية “الاتفاق الإطاري” عبر استراتيجية مزدوجة؛ تمنع الحزب من امتصاص النقد الأجنبي من الاقتصاد اللبناني المتهالك، وترسل تحذيراً شديد اللهجة للسلطات الرسمية في بيروت بأن أي تهاون مع الشبكات المالية الموازية سيواجه بضغوط دولية أشد قسوة.
تضع هذه الكماشة (الأمريكية-الإسرائيلية) منطقة الشرق الأوسط أمام منعطف حرج؛ فالإصرار على تفكيك بنية حزب الله عسكرياً ومالياً يصطدم بواقع إنساني واقتصادي شديد الهشاشة داخل لبنان، حيث لا يزال نحو مليون نازح يدفعون فاتورة الحرب المستمرة منذ مارس الماضي، وسط تحذيرات أممية من انهيار بنيوي يهدد سوق العمل والشركات المحلية، مما يجعل المشهد الإقليمي مفتوحاً على كافة الاحتمالات بين الإذعان لشروط التفاوض الصارمة أو الانفجار الشامل.






