تشهد الساحة النفطية العراقية لحظة مفصلية جديدة مع توقيع شركة “إكسون موبيل” الأميركية اتفاقية مبادئ مع وزارة النفط العراقية لاستكشاف وتطوير حقل مجنون العملاق في جنوب البلاد. هذا التطور يُعيد واحدة من أكبر الشركات الأميركية إلى المشهد النفطي العراقي بعد غياب دام قرابة عامين، ويمثل إشارة سياسية واقتصادية إلى رغبة الطرفين في إعادة بناء شراكة استراتيجية تتجاوز البعد التجاري إلى ما هو أعمق: رسم موقع العراق في خريطة الطاقة العالمية المقبلة.
عودة الشركات الكبرى.. قراءة في التوقيت والدلالات
تأتي عودة “إكسون موبيل” في توقيت حساس بالنسبة للعراق ولأسواق الطاقة الدولية على السواء. فمن جهة، تسعى بغداد إلى تحقيق قفزة نوعية في قدراتها الإنتاجية لتتجاوز ستة ملايين برميل يومياً بحلول عام 2028، أي بزيادة تقارب 50% عن المستويات الحالية. ومن جهة أخرى، تشهد السوق العالمية تحولات هيكلية بعد الحرب في أوكرانيا، وما تبعها من محاولات أوروبية وأميركية لتقليص الاعتماد على النفط والغاز الروسيين.
في هذا السياق، تبدو عودة الشركات الغربية، وعلى رأسها “إكسون موبيل” و”توتال” الفرنسية، خطوة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة توزيع مصادر الطاقة في الشرق الأوسط. العراق، بثروته النفطية الضخمة التي تُقدَّر بنحو 145 مليار برميل، يمثل خياراً مغرياً؛ ليس فقط بسبب الاحتياطات، بل أيضاً لموقعه الجغرافي بين الخليج وبلاد الشام وتركيا، أي على تماس مباشر مع طرق تصدير يمكن أن تربط النفط العراقي بالأسواق الأوروبية عبر المتوسط، أو بالأسواق الآسيوية عبر الخليج.
حقل مجنون ورهان البنية التحتية
حقل مجنون في محافظة البصرة يُعد واحداً من أكبر الحقول في العالم، إذ تُقدَّر احتياطاته القابلة للاستخراج بأكثر من 13 مليار برميل. إلا أن تطويره ظل رهيناً للخلافات حول عقود المشاركة ونسب الأرباح، ما أدى إلى انسحاب “شل” عام 2017، وتردد “إكسون” لاحقاً قبل أن تغادر البلاد في 2021.
اليوم، يبدو أن الحكومة العراقية برئاسة محمد شياع السوداني تسعى لتجاوز تلك العقبات عبر صياغة نموذج جديد للتعاون يضمن توازناً بين سيادة القرار الوطني وتحفيز الاستثمار الأجنبي. فالاتفاق الجديد مع “إكسون موبيل” لا يقتصر على الإنتاج، بل يشمل أيضاً تطوير البنية التحتية لتصدير النفط، بما في ذلك خطوط الأنابيب ومرافق التخزين والنقل، إضافة إلى التعاون مع شركة التسويق الوطنية “سومو” في مجالات التسويق الخارجي.
هذه البنود تعني أن الاتفاق ليس صفقة إنتاج فحسب، بل مشروع شراكة استراتيجية طويل الأمد قد يُعيد رسم شكل شبكة تصدير النفط العراقي في السنوات المقبلة، خصوصاً مع تطلع بغداد إلى تنويع المنافذ التصديرية باتجاه البحر الأبيض المتوسط، وربما تركيا وسوريا، في حال استقرار الأوضاع الأمنية.
النفط كأداة لتثبيت النفوذ الأميركي والغربي
من زاوية أوسع، فإن عودة “إكسون موبيل” إلى العراق تحمل بعداً جيوسياسياً واضحاً. فواشنطن ترى في العراق ركيزة أساسية في أمن الطاقة العالمي، وفي الوقت نفسه، تحاول تحجيم النفوذ الصيني والروسي المتزايد داخل قطاع النفط العراقي. فخلال العامين الماضيين، كانت الشركات الصينية هي الأكثر حضوراً في مشاريع النفط العراقية، حيث فازت بنحو 15 عقداً من أصل 30 عقداً منحتها بغداد. هذه الهيمنة الصينية دفعت الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في سياستها تجاه العراق، وتقديم دعم فني واقتصادي لتشجيع عودة شركاتها الكبرى إلى السوق العراقية.
وبالتالي، فإن الاتفاق الأخير ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل خطوة سياسية لإعادة التوازن داخل خريطة النفوذ في قطاع الطاقة العراقي، وربط العراق مجدداً بالغرب عبر مصالح اقتصادية متبادلة، خصوصاً في ظل حاجة أوروبا المتزايدة إلى مصادر طاقة مستقرة بعيدة عن الصراعات الروسية.
الفرصة والتحول.. هل يمكن أن يصبح العراق مركزاً للطاقة؟
يمتلك العراق كل المقومات التي تؤهله لأن يصبح مركزاً إقليمياً للطاقة خلال العقد المقبل:
– احتياطات ضخمة تضعه في المرتبة الخامسة عالمياً.
– موقع جغرافي استراتيجي يربط الخليج بآسيا وأوروبا.
– شبكة أنابيب قابلة للتوسّع باتجاه المتوسط والخليج.
– خبرة بشرية متراكمة في قطاع النفط تمتد لأكثر من نصف قرن.
لكنّ تحقيق هذا الطموح يتطلب تحولاً في بنية الدولة العراقية نفسها؛ إذ لا يمكن لأي بلد أن يصبح مركزاً استراتيجياً للطاقة دون منظومة مؤسساتية مستقرة، وسياسات تسعير وتعاقد شفافة، وبنية تحتية متكاملة تشمل النقل، والموانئ، والطاقة الكهربائية.
وفي هذا السياق، يشير خبراء الطاقة إلى أن نجاح العراق في إدارة موارده بفاعلية واستقلالية سيجعله لاعباً رئيسياً في موازين الطاقة، ليس فقط كمصدر للنفط الخام، بل كمحور لتكرير ونقل وتجارة المشتقات، وهو ما يجعله منافساً قوياً لدول مثل السعودية والإمارات وإيران في المدى المتوسط.
الانعكاسات السياسية الداخلية
على الصعيد السياسي الداخلي، قد تفتح هذه الاتفاقيات الباب أمام تحسين الوضع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على العائدات النقدية المباشرة للنفط الخام عبر تنويع مجالات الاستثمار. إلا أن ذلك مرهون بقدرة الحكومة على تحييد الصراعات الحزبية والطائفية التي كثيراً ما عرقلت تنفيذ المشاريع الكبرى.
العراق، رغم ثروته النفطية، لا يزال يعاني من ضعف في الخدمات الأساسية، وبطالة مرتفعة، وتحديات في مكافحة الفساد.
ومن ثم فإن تحويل الثروة النفطية إلى أداة لبناء الثقة بين المواطن والدولة سيكون اختباراً حقيقياً لحكومة السوداني. نجاح الحكومة في جذب الشركات الغربية مع الحفاظ على الشفافية في العقود يمكن أن يُحسّن صورة العراق دولياً، ويمنحه وزناً تفاوضياً جديداً في العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، وربما يعيد رسم التوازنات الداخلية بين القوى السياسية.
عودة “إكسون موبيل” إلى العراق ليست حدثاً معزولاً، بل مؤشر على عودة الثقة الدولية بقدرة الدولة العراقية على إدارة قطاعها النفطي. وفي حال نجح العراق في استثمار هذه الفرصة، فقد يتحول خلال عقد من الزمن إلى مركز استراتيجي للطاقة يمكن أن تعتمد عليه أوروبا والولايات المتحدة في جزء من إمداداتها، لا سيما مع استمرار التحولات في سوق الطاقة العالمية.
لكن هذا التحول لن يتحقق بالثروة النفطية وحدها؛ بل يحتاج إلى إصلاح مؤسسي شامل، واستقرار سياسي طويل الأمد، وإدارة رشيدة للموارد. فالعراق أمام فرصة تاريخية ليعيد تعريف موقعه في النظام الاقتصادي العالمي، شريطة أن يحوّل النفط من مورد متنازع عليه إلى قاطرة للتنمية الوطنية والسيادة الاقتصادية.
طريق التنمية.. البنية اللوجستية كامتداد للثروة النفطية
لا يقتصر مشروع التحول الاقتصادي العراقي على تطوير قطاع النفط وحده، بل يمتد إلى بناء منظومة لوجستية متكاملة تجعل من البلاد محورًا اقتصاديًا عابرًا للقارات. في هذا السياق، يبرز مشروع “طريق التنمية” الذي يمتد من ميناء الفاو الكبير جنوب العراق حتى الحدود التركية شمالًا، ليشكل ممرًا بريًا وسككيًا يربط الخليج العربي بالبحر الأبيض المتوسط وأوروبا.
ويبدو أن الحكومة العراقية، مدركة لأهمية التكامل بين الطاقة والنقل، تسعى إلى جعل الطريق بمثابة الذراع التجارية للبنية النفطية الجديدة. فبينما تمثل عودة “إكسون موبيل” واستثمارات الشركات الغربية في الحقول الجنوبية محور الطاقة الخام، فإن مشروع طريق التنمية يمثل الممر الاقتصادي الذي يربط الإنتاج بالنقل والتصنيع والتصدير.
وفقاً لما أعلنه مدير شركة موانئ العراق، فرحان الفرطوسي، فقد وصلت شركة “أوليفر وايمان” الاستشارية العالمية إلى مراحل متقدمة من رسم السياسة العامة لتنفيذ المشروع، بعد أن حددت القطاعات المستهدفة بالاستثمار ضمن رؤية شاملة تعتبر الطريق مشروعاً اقتصادياً وليس مجرد ممر للنقل.
الرؤية الجديدة ترتكز على إنشاء “حزام اقتصادي” يمتد على طول الطريق من الفاو إلى تركيا، بما يتضمن مناطق صناعية ولوجستية وسكنية وخدمية على جانبي الممر، في نموذج مستوحى من تجارب عالمية مثل الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC) أو مشروع “الحزام والطريق”.
الفرطوسي أشار كذلك إلى أن الفرص الاستثمارية قُسمت إلى ثلاث مراحل تبعاً لجاهزيتها، ما يعكس منهجاً مرحلياً مدروساً يهدف إلى استيعاب الاستثمارات المحلية والأجنبية بشكل تدريجي، وتوزيعها جغرافياً بما يخلق توازناً تنموياً بين المحافظات الجنوبية والوسطى والشمالية.
الثروة الصناعية.. من الفوسفات إلى الطاقة والتقنية
اللافت في تصريحات موانئ العراق هو التركيز على استثمار الموارد الأولية الوطنية ضمن الحزام الاقتصادي، لا سيما مادة الفوسفات التي يمتلك العراق منها ثاني أكبر خزين استراتيجي عالمي، إلى جانب إمكانات ضخمة في مجالات الأسمدة والطاقة والكابل الضوئي.
هذا التوجه يعكس إدراكاً متزايداً لدى الحكومة بأن القيمة الحقيقية للنفط لا تكمن فقط في تصديره خاماً، بل في بناء اقتصاد صناعي مكمل يعتمد على المواد الأولية المحلية ويستفيد من موقع العراق كممر تجاري بين الشرق والغرب.
إذ يمكن للطريق أن يتحول إلى شريان متكامل تتجاور فيه الصناعات النفطية والبتروكيميائية مع مصانع الأسمدة ومراكز نقل الطاقة والمعلومات، مما يعزز مفهوم “التنمية المترابطة” ويمنح العراق موقعاً محورياً في سلاسل الإمداد العالمية.
عند دمج مشاريع النفط العملاقة مثل حقل مجنون وغرب القرنة مع مشروع طريق التنمية وميناء الفاو الكبير، تتضح معالم خريطة اقتصادية عراقية جديدة تسعى الحكومة إلى رسمها: خريطة تجعل من العراق عقدة رئيسية تربط مصادر الطاقة في الخليج بالأسواق الأوروبية عبر مسار بري-بحري متكامل.
هذا النموذج، إن كُتب له النجاح، يمكن أن يغير من موقع العراق في الاقتصاد العالمي، لينتقل من دولة تعتمد على صادرات النفط الخام إلى مركز لوجستي واستراتيجي لإنتاج وتكرير ونقل الطاقة والبضائع. كما يمنح هذا التكامل بُعداً جيوسياسياً إضافياً للعراق، إذ سيسمح له بلعب دور الوسيط بين الشرق والغرب، ويمكّنه من تنويع تحالفاته الاقتصادية والسياسية، ما يعزز الاستقلال الوطني ويحدّ من الارتهان لأي محور خارجي بعينه.
الانعكاس السياسي والاقتصادي
من شأن هذا التحول أن يعيد رسم أولويات السياسة الداخلية العراقية. فالمشاريع العملاقة مثل طريق التنمية وميناء الفاو تفتح الباب أمام توزيع أكثر عدلاً للثروة والتنمية بين المحافظات، وتخلق فرص عمل واسعة، وتدفع نحو استقرار اجتماعي طال انتظاره.
كما أن جذب استثمارات من شركات غربية وعربية وصينية في الوقت ذاته يمنح بغداد مرونة سياسية نادرة، ويتيح لها اللعب على توازنات متعددة، بما يعزز مكانتها التفاوضية إقليمياً ودولياً. إلا أن هذا المسار لا يخلو من تحديات؛ فنجاحه يتطلب حوكمة قوية، وإطاراً تشريعياً واضحاً للاستثمار، وضمانات أمنية للمستثمرين، إضافة إلى توافق سياسي داخلي يمنع المشاريع من أن تصبح رهينة التجاذبات الحزبية أو الإقليمية.
في النهاية، إذا استطاعت بغداد أن توائم بين هذين المحورين وتربطهما برؤية صناعية متقدمة، فقد يتحول العراق في العقد المقبل إلى مركز إقليمي للطاقة والتجارة يعتمد عليه الغرب والشرق على السواء، ويصبح نموذجاً جديداً في المنطقة لدولة ما بعد الريع النفطي، القائمة على التكامل بين الموارد والتنمية.







