في تطورٍ وُصف بأنه محطة مفصلية في مسار عملية السلام المتعثّرة بين أنقرة والأكراد، أعلن حزب «المساواة وديمقراطية الشعوب» التركي، اليوم الإثنين، أن قرار حزب العمال الكردستاني (PKK) بسحب مقاتليه من الأراضي التركية يمثل “خطوة بالغة الأهمية”، مؤكّدًا أنها تُكمل المرحلة الأولى من مسار سياسي طويل ومعقد بدأ قبل أكثر من عام.
ويرى مراقبون أن الخطوة تعكس تحولًا نوعيًا في مقاربة الحزب الكردي للنزاع المستمر منذ أربعة عقود، إذ لم تعد لغة السلاح الوسيلة الوحيدة لانتزاع الحقوق، بل بات الرهان على الحل السياسي والمؤسساتي داخل النظام التركي.
في المقابل، يُنظر في أنقرة إلى الانسحاب على أنه اختبار حقيقي لجدّية الأكراد في طي صفحة المواجهة المسلحة، وفرصة للحكومة لتأكيد التزامها بالوعود التي أطلقتها بشأن الاعتراف الثقافي والتمثيل السياسي للأقلية الكردية.
وبينما يُنظر إلى الانسحاب في الأوساط الكردية كـ”مؤشر على نية سلام حقيقية”، فإن قطاعات من المعارضة التركية ما تزال تتوجّس من أي تسوية قد تُترجم إلى مكاسب سياسية لحزب العمال الكردستاني، المصنّف منظمة إرهابية في تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
من الميدان إلى الطاولة
التحرك الذي بدأ يوم الأحد يأتي بعد أربعة عقود من الصراع المسلح بين الحزب الكردي والدولة التركية، وهي حرب غير متكافئة خلّفت ما يقرب من 50 ألف قتيل، وأثرت على البنية السياسية والاجتماعية لتركيا.
وبحسب الحزب الكردي، فإن الانسحاب يعبّر عن جدية الرغبة في التحول من المواجهة العسكرية إلى المسار السياسي، في حين يرى مراقبون أن هذا التحول يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة المركزية والأقلية الكردية التي تمثل نحو 20% من سكان البلاد.
وقال تونجر باكيرهان، الرئيس المشارك لحزب “المساواة وديمقراطية الشعوب”، إن “القرار بالانسحاب هو أكثر تعبير ملموس عن تصميم حزب العمال على مسار السلام”، واصفًا الخطوة بأنها “من كبرى الخطوات وأكثرها أهمية”.
وأضاف أن المرحلة الأولى من العملية أنجزت، ودعا الحكومة التركية إلى المضي في المرحلة الثانية، والتي وصفها بأنها “حيوية” وتتطلب إجراءات تشريعية وسياسية جادة، بما في ذلك دور البرلمان في “تسهيل العملية من خلال ترتيبات قانونية للمرحلة الانتقالية”.
المعادلة السياسية الجديدة
يبدو أن أنقرة تحاول هذه المرة التعامل مع القضية الكردية بمنهج أكثر مؤسساتية. فقد أسست لجنة برلمانية معنية بوضع إطار قانوني لعملية الإدماج السياسي لمقاتلي حزب العمال، وهو ما اعتُبر سابقة في تاريخ العلاقة المتوترة بين الجانبين.
ويرى محللون أن رعاية الرئيس رجب طيب أردوغان للعملية تمثل رهانًا سياسيًا مزدوجًا؛ فمن جهة يسعى إلى إنهاء إرث الصراع المزمن الذي أثقل الدولة، ومن جهة أخرى يأمل في توسيع قاعدته الانتخابية في المناطق ذات الأغلبية الكردية قبل الاستحقاقات المقبلة.
لكن العقبة الأبرز تبقى في إقناع المؤسسة العسكرية والرأي العام التركي بقبول انخراط الحزب الذي صنفته أنقرة “منظمة إرهابية” في الحياة السياسية.
وفي المقابل، يُنتظر من حزب العمال أن يبرهن على التزامه الكامل بوقف العمليات المسلحة، وهو ما سيُختبر في الأسابيع القادمة مع بدء انسحاب مقاتليه فعليًا نحو شمال العراق.
أوجلان والرمزية المتجددة
ورغم مرور أكثر من عقدين على اعتقاله، لا يزال عبدالله أوجلان، الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني، العنصر الأكثر تأثيرًا في المعادلة الكردية داخل تركيا وخارجها. فوجوده خلف القضبان منذ عام 1999 لم يُضعف من رمزيته، بل حوله إلى مرجع فكري وتنظيمي يحتكم إليه جناح الحزب في كل منعطف مصيري.
وقد شكّلت الرسالة التي بعث بها من سجنه في فبراير الماضي نقطة التحول الحاسمة التي مهّدت لقرار إلقاء السلاح، إذ اعتُبرت بمثابة “وثيقة سياسية” تحدد سقف التفاوض وحدود التحول من الكفاح المسلح إلى العمل المدني.
ويؤكد محللون أن أوجلان لا يفاوض، لكنه يوجّه — فكل مبادرة أو خطوة ميدانية تصدر باسم الحزب لا تزال بحاجة إلى إقرارٍ ضمني منه، ما يجعله طرفًا غير حاضر رسميًا لكنه حاضر فعليًا في تفاصيل العملية السياسية.
وفي هذا السياق، يطالب مقربون من الحزب الكردي بعقد اجتماع مباشر للجنة البرلمانية التركية مع أوجلان في محبسه، باعتبار أن تجاهله قد يُضعف من فرص نجاح أي اتفاق نهائي. فوفقًا لهؤلاء، لا يمكن ضمان التزام جميع فصائل الحزب بالاتفاق ما لم يكن الزعيم المسجون جزءًا من الضمانات السياسية الجديدة.
ويرى مراقبون أن أنقرة تدرك هذه الحقيقة جيدًا، لكنها تتجنّب الظهور بمظهر من يتفاوض مع شخص أدين بالإرهاب، حفاظًا على التوازن الحساس بين متطلبات الأمن القومي وضغوط الرأي العام.
آفاق السلام وحدوده
بالنسبة لأنقرة، يمثل انسحاب مقاتلي حزب العمال الكردستاني اختبارًا استراتيجيًا لجدّية الطرفين في تجاوز منطق الحرب. فالحكومة التركية ترى في هذه اللحظة فرصة تاريخية لتثبيت سياسة “الاحتواء بدل المواجهة”، خصوصًا في ظل الإرهاق الاقتصادي والأمني الذي خلّفته سنوات الصراع الطويلة في جنوب شرقي البلاد.
لكن الطريق إلى السلام لا يبدو معبّدًا بالكامل. فهناك تباينات جوهرية بين ما تعتبره الحكومة “تسوية سياسية مشروطة بالولاء للدولة”، وبين ما يراه الأكراد “إصلاحًا دستوريًا شاملًا يضمن الاعتراف بالهوية واللغة والتمثيل”. هذا التناقض في المفهوم يجعل العملية برمتها رهينة للثقة المفقودة، التي تآكلت على مدى أربعة عقود من الدماء والمواجهات.
ورغم أن الخطوات الأولى توحي بمناخ إيجابي، إلا أن غياب الضمانات القانونية وتعدد مراكز القرار داخل الحزب الكردي يبقيان أبرز التحديات أمام أي اتفاق دائم. فحتى داخل الأوساط الكردية، ثمة مخاوف من أن يكون الانسحاب العسكري مجرد هدنة مؤقتة في انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات المقبلة.
في المقابل، يعوّل المراقبون على أن تغيّر المناخ الإقليمي والدولي — خاصة بعد انشغال العالم بأزمات الشرق الأوسط وأوكرانيا — قد يدفع أنقرة إلى استثمار هذا الهدوء النسبي لإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية، وإظهار نفسها كـ نموذج للإدارة السلمية للنزاعات الداخلية، في لحظة تتطلع فيها تركيا إلى تعزيز موقعها السياسي في المنطقة.
ومع أن السلام الدائم في المسألة الكردية ظل حلمًا مؤجلاً منذ عقود، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن الطرفين يختبران هذه المرة معادلة مختلفة:
سلام لا يقوم على اتفاق سياسي فقط، بل على تحوّل تدريجي في الوعي التركي تجاه القضية الكردية، وعلى قبول متبادل بأن الاعتراف لا يعني الانفصال، بل الشراكة في دولة واحدة متعددة الهويات.






