تكشف المعطيات الصادرة عن هيئة البث الإسرائيلية بشأن ارتفاع معدلات الانتحار في صفوف الجيش الإسرائيلي، لا سيما بين جنود الاحتياط، عن بعد إنساني قاتم ومهمل في المشهد العسكري الذي تحركه آلة الحرب الإسرائيلية متعددة الجبهات. ففي الوقت الذي تُدفع فيه القوات الإسرائيلية إلى خوض مواجهات واسعة، يتكشّف تدريجيًا عمق الأثر النفسي الذي تُخلّفه تلك الحرب على الجنود أنفسهم، بمن فيهم من يُفترض أنهم في موقع “الفاعل” لا “الضحية”.
فشل المؤسسة العسكرية
الجيش الإسرائيلي، من خلال تحقيقاته الداخلية، أقر بأن أغلب حالات الانتحار المسجلة في عام 2025 – والتي بلغ عددها 16، بينهم 7 جنود احتياط – تعود إلى ما وصفه بـ”الواقع المعقد للحرب”، بما في ذلك التجارب الصادمة، وفقدان الزملاء، والعجز عن التكيف مع تداعيات ما يشهدونه أو ينخرطون فيه من عمليات. وهو اعتراف مباشر بأن الحرب لم تقتصر آثارها على الخصوم والمستهدفين من العمليات، بل امتدت لتحفر عميقًا في نفسية الجنود الإسرائيليين أنفسهم، ما يشير إلى فشل المؤسسة العسكرية في تقديم الدعم النفسي الكافي أو تهيئة الجنود لمواجهة النتائج الإنسانية لقراراتها السياسية والعسكرية.
اللافت في هذه الظاهرة أنها تكشف التصدعات داخل بنية الجيش الإسرائيلي، التي طالما سعت تل أبيب إلى تسويقها على أنها متماسكة وفعّالة. فصورة “الجيش الأخلاقي” الذي يمتلك القوة والانضباط تنهار أمام واقع يُظهر الجنود وهم ينهارون نفسيًا تحت وطأة المهام التي يُكلّفون بها، والتي غالبًا ما تنطوي على أعمال قمع وقتل وتشريد ضد السكان المدنيين في غزة أو الضفة الغربية.
ورغم محاولات الجيش احتواء القضية عبر التحقيقات الفردية ومراجعة رسائل الوداع والتواصل مع عائلات الجنود، إلا أن هذه الإجراءات تبدو أقرب إلى مسكنات نفسية وإعلامية، لا تعالج الجذر الحقيقي للمشكلة، المتمثل في طبيعة الحرب ذاتها، وممارسات الاحتلال، وانخراط الجنود في أنشطة منافية للضمير البشري، ما يتركهم أمام صراع داخلي حاد بين الأوامر العسكرية وصوتهم الأخلاقي الداخلي.
انهيار جنود الاحتلال
من جهة أخرى، يطرح هذا الواقع تساؤلات جدية حول مدى استعداد الجيش الإسرائيلي للتعامل مع الأزمة النفسية المتفاقمة في صفوفه، وما إذا كانت قيادته تُدرك فعلًا أن الانهيار النفسي قد يكون إحدى جبهات الهزيمة غير المعلنة. كما أن هذه الظاهرة تضع تحديًا أمام المجتمع الإسرائيلي ذاته، الذي طالما دعّم المؤسسة العسكرية دون مساءلة أو مراجعة نقدية، وتغاضى عن نتائج العنف المُمنهج الذي تمارسه دولته باسم “الأمن القومي”.
ما يجري هو تذكير صارخ بأن الحرب ليست مجرد أرقام وخرائط استراتيجية، بل معركة تمزّق الإنسان من الداخل، سواء أكان ضحية مباشرة للقصف أو جنديًا في صفوف الجهة المعتدية.






