تُشكل المشاركة إحدى الركائز الأساسية في بناء الذكاء العاطفي والاجتماعي للطفل، وهي البوابة التي يعبر من خلالها نحو بناء علاقات صحية ومتوازنة مع أقرانه والمجتمع المحيط به مستقبلاً. ومع ذلك، يصاب الكثير من الآباء والأمهات بحالة من القلق والتوتر عندما يلاحظون رفض طفلهم القاطع للتنازل عن ألعابه أو مشاركة مقتنياته مع الآخرين، مسارعين إلى تفسير هذا السلوك باعتباره دليلاً على الأنانية أو خللاً في التربية.
بيد أن علم نفس الطفل يؤكد أن حب التملك في سنوات العمر المبكرة هو مرحلة نمو طبيعية وفطرية تماماً؛ فالطفل لا يولد مزوداً بمهارة العطاء، بل يكتسبها تدريجياً عبر التجارب اليومية التراكمية، والتوجيه الذكي القائم على الهدوء وصناعة القدوة.
صراع الملكية المبكر.. لماذا يرى الطفل في التشارك تهديداً لبيئته الآمنة؟
في المراحل الأولى من التطور الإدراكي، يتميز تفكير الطفل بـ المركزية حول الذات، حيث يرى العالم كله من منظوره الخاص الفردي، ويرتبط بألعابه وأشيائه الشخصية ارتباطاً وجدانياً وثيقاً لدرجة أنه يعتبرها امتداداً لهويته وجسده. بناءً على هذا المفهوم، فإن طلب الكبار منه أن يشارك ألعابه لا يعني له مجرد “إعارة مؤقتة”، بل يفسره عقله البسيط على أنه تهديد مباشر لمصدر سعادته، أو فقدان أبدي لملكيتة الخاصة.
يضاف إلى ذلك أن الأطفال في هذه السن لم تنضج لديهم بعد القدرة على قراءة مشاعر الآخرين أو توقع احتياجاتهم النفسية، وهي مهارات معقدة تتطلب وقتاً وخبرات اجتماعية متلاحقة لتتبلور بشكل سليم.
فخ الإجبار العكسي.. كيف تبنين مهارة الكرم بالقدوة الحيّة لا بالأوامر؟
يلجأ العديد من أولياء الأمور إلى حلول سريعة لإنهاء الخلافات الصبيانية عبر إجبار الطفل على التخلي عن لعبته لصالح طفل آخر، ظناً منهم أنهم يعلمونه صفة الكرم. لكن الحقيقة العلمية تشير إلى أن هذا الأسلوب يأتي بنتائج عكسية تماماً؛ فعندما يشعر الطفل بأن ممتلكاته تُنتزع منه عنوة تحت وطأة الضغط الإجباري، يزداد تمسكاً بها وتولد لديه مشاعر عدم الأمان والإحباط.
والبديل التربوي الأمثل هنا هو التعليم بالقدوة والملاحظة، فالأطفال يمتصون سلوكيات الوالدين كالإسفنج؛ وعندما يشهد الطفل والديه يتبادلان الأشياء بمرونة، ويتعاونان في إدارة شؤون المنزل، ويظهران الكرم الفعلي في تعاملاتهما اليومية، يصبح من السهل عليه محاكاة هذه الأنماط الراقية تلقائياً في مواقفه البسيطة مثل تقاسم الطعام أو تقديم المساعدة.

تكتيكات عملية لبناء التعاطف.. منح حق الاختيار والثناء الذكي على السلوك
تتحول المشاركة من عبء ثقيل إلى سلوك محبب لدى الطفل عندما ترتبط بوعيه الداخلي ونموه العاطفي، ويمكن تحقيق ذلك عبر تطبيق ثلاثة تكتيكات أساسية:
تحفيز الذكاء العاطفي: تعزيز قدرة الطفل على التعاطف من خلال طرح أسئلة حوارية دافئة تلمس مشاعره دون إشعار بالذنب، مثل: “كيف تظن أن صديقك س يشعر إذا جرب هذه اللعبة المفيدة؟” أو “لو كنت مكانه، ما الذي كان سيسعدك؟”.
احترام الخصوصية وحق الاختيار: من الذكاء منح الطفل مساحة من السيطرة والأمان؛ فإذا كان لديه لعبة مفضلة جداً يخشى عليها، يُسمح له بالاحتفاظ بها جانباً، مع تشجيعه ومساعدته على اختيار مجموعة أخرى من الألعاب البديلة التي يسهل عليه تقاسمها مع أصدقائه، مما يجعل القرار نابعاً من إرادته الحرة.
الثناء الموجه على الفعل: عندما يقدم الطفل على خطوة تشاركيه، يجب الابتعاد عن المدح العام الفضفاض مثل “أنت طفل رائع”، واستبداله بـ المدح السلوكي المحدد مثل: “لقد أعجبني جداً تصرفك اليوم عندما سمحت لأختك باللعب معك”، فهذا الأسلوب يرسخ السلوك الإيجابي في ذهنه ويدفعه لتكراره.
الأمان أولاً.. كيف يصنع احترام الحدود طفلاً أكثر انفتاحاً على العطاء؟
تؤكد الدراسات التربوية أن الأطفال الأكثر استعداداً للعطاء وتسيير أمور المشاركة برغبة حقيقية، هم أولئك الذين ينشؤون في بيئة تحترم حدودهم الشخصية وتمنحهم شعوراً مطلقاً بالأمان. فعندما يثق الطفل تمام الثقة بأن ممتلكاته محمية ولن تؤخذ منه قسراً، وأن مشاعره ومخاوفه مسموعة ومقدرة من قبل الكبار، يتلاشى لديه هاجس الدفاع المستمر عن أشيائه، ويصبح أكثر انفتاحاً على الآخرين وأكثر مرونة في تقاسم ما يملك.
إن تعليم الطفل مهارة المشاركة ليس مجرد استراتيجية لإنهاء شجار عابر في غرفة الألعاب، بل هو استثمار بعيد المدى يرافقه طوال حياته؛ ليتعلم لاحقاً كيف يشارك أفكاره، وخبراته، ووقته، ويتعاون في بيئات العمل وبناء الشراكات الإنسانية الناجحة، مدركاً أن العطاء لا يعني الخسارة أبداً، بل هو الجسر الأقوى لتوليد الانتماء وكسب ثقة العالم.



