في موقف يعكس اتساع الفجوة بين طهران وواشنطن، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الإثنين، إن التفاوض مع الولايات المتحدة «لا معنى له»، مبرراً موقفه بما وصفه باستمرار العقوبات والضغوط والتهديدات الأميركية. وجاءت التصريحات خلال استقباله وزير الخارجية الأرميني آرارات ميرزويان في طهران، في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً متصاعداً وتبقى فيه قنوات الوساطة مفتوحة، ولو بصورة محدودة.
وتكتسب تصريحات بزشكيان أهمية تتجاوز مضمونها المباشر، لأنها تأتي في لحظة تبدو فيها فرص التوصل إلى تفاهم أميركي-إيراني معلقة بين شروط متباعدة، وضغوط ميدانية، ومحاولات وساطة إقليمية تبحث عن صيغة تمنع انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة.
بزشكيان: المشكلة ليست في مبدأ التفاوض
لم يقدّم الرئيس الإيراني موقفه باعتباره رفضاً مجرداً لفكرة الحوار، بل ربطه بما تعتبره طهران تجربة متكررة من التفاوض يتبعها ضغط أو تصعيد.
وبحسب ما نقلته وسائل الإعلام الإيرانية، قال بزشكيان إن التفاوض مع طرف «يمارس الإرهاب ويفرض العقوبات ويمارس الضغوط والتهديدات بشكل يومي» لا معنى له. وفي تصريحات أوسع نقلتها وسائل إعلام أخرى عن وكالة «إرنا»، اتهم الولايات المتحدة بنقض تعهداتها، وقال إن إيران تعرضت لهجمات بعد جولات من المحادثات.
هذه الصياغة تكشف أن طهران لا ترى العقوبات والتهديدات باعتبارها أدوات منفصلة عن المسار الدبلوماسي، بل تعتبرها جزءاً من المشكلة التي تجعل أي تفاوض جديد موضع شك من الجانب الإيراني.
ومن هذه الزاوية، فإن رسالة بزشكيان تبدو موجهة إلى واشنطن بقدر ما هي موجهة إلى الداخل الإيراني: لا يمكن العودة إلى طاولة المفاوضات من دون تغيير الظروف التي تحيط بها.
واشنطن ترى نافذة مختلفة
لكن الموقف الإيراني يأتي في وقت كانت فيه الإدارة الأميركية تتحدث عن اقتراب المفاوضات من مرحلة حاسمة.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد قال في الأول من أكتوبر/تشرين الأول إن المحادثات مع إيران تتجه نحو «أحد مسارين»، وإن واشنطن ستتخذ قراراً قريباً بشأن المسار الذي ستتبعه. كما دافع عن دور قطر في جهود الوساطة.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: بينما تستخدم طهران لغة تشكك في جدوى التفاوض، تتحدث واشنطن عن مفاوضات تقترب من لحظة حاسمة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن المسار الدبلوماسي انتهى. فالتجارب السابقة بين البلدين أظهرت أن التصريحات شديدة اللهجة يمكن أن تتعايش مع اتصالات غير مباشرة عبر الوسطاء. لكن الفارق هذه المرة هو أن مساحة المناورة تبدو أضيق، فيما أصبحت الملفات الأمنية والعسكرية أكثر حضوراً في تحديد شروط أي حوار مقبل.
الخلاف لم يعد محصوراً في الملف النووي
أحد أهم جوانب الأزمة الحالية أن الخلاف بين طهران وواشنطن لا يبدو مقتصراً على البرنامج النووي الإيراني.
فوفق ما نقلته تقارير عن الموقف الإيراني، ترى طهران أن المقترحات الأميركية تركز بصورة أساسية على الملف النووي، بينما تريد إيران إدخال قضايا أخرى إلى أي تفاهم، بينها الوضع في مضيق هرمز. كما لم تُحسم، وفق هذه التقارير، مسألة عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إيران.
وهذا يعني أن أي مفاوضات مستقبلية قد تواجه جدول أعمال أكثر تعقيداً من مجرد الاتفاق على القيود النووية والعقوبات.
فالملف النووي يرتبط بالنسبة إلى واشنطن بمنع إيران من تطوير قدرات تعتبرها تهديداً أمنياً، بينما تنظر طهران إلى العقوبات والوصول إلى الأسواق والطاقة وأمن الملاحة باعتبارها جزءاً من الصورة الأوسع لأي تسوية.
مضيق هرمز.. ورقة ضغط شديدة الحساسية
يزيد الوضع في مضيق هرمز من تعقيد المشهد.
وتشير تقارير حديثة إلى وقوع حوادث استهدفت ناقلات في المنطقة، فيما حذرت جهات بحرية من مخاطر متزايدة على حركة الملاحة. ويأتي ذلك في وقت تحاول فيه الأطراف المتصارعة استخدام أوراق الضغط الميدانية لتعزيز مواقعها التفاوضية. Iran International | Iran International
وبالتالي، فإن مستقبل المضيق لا يمثل قضية إقليمية محدودة. فالممر البحري من أهم طرق نقل الطاقة في العالم، وأي اضطراب طويل الأمد فيه يمكن أن ينعكس على أسعار النفط والتأمين والنقل والأسواق الدولية.
ولهذا فإن إدخال مضيق هرمز في الحسابات التفاوضية يجعل أي اتفاق محتمل أكثر حساسية، لكنه في الوقت نفسه قد يمنح الوسطاء ورقة إضافية للبحث عن تسوية أوسع.
أرمينيا.. زيارة تحمل دلالات تتجاوز طهران وواشنطن
جاءت تصريحات بزشكيان خلال لقائه وزير الخارجية الأرميني، في توقيت لا يخلو من الدلالة.
فزيارة ميرزويان إلى طهران لم تقتصر على الملف الأميركي؛ إذ ناقش الجانبان العلاقات الثنائية والتعاون في الطاقة والنقل والبنية التحتية، إلى جانب مشاريع للربط الإقليمي. كما تناولت المحادثات مشروع TRIPP ومسائل تتعلق بفتح مسارات الاتصال في المنطقة.
وتحظى العلاقة الإيرانية-الأرمينية بأهمية خاصة بالنسبة إلى طهران بسبب موقع أرمينيا في شبكات النقل والربط الإقليمي، وبسبب حساسية التغيرات الجيوسياسية في جنوب القوقاز.
ومن هنا، يمكن قراءة اللقاء باعتباره جزءاً من سياسة إيرانية أوسع تسعى إلى تعزيز العلاقات مع دول الجوار، في وقت تواجه فيه طهران ضغوطاً أميركية وإقليمية متزايدة.
هل أغلق بزشكيان الباب نهائياً؟
رغم قوة العبارة التي استخدمها الرئيس الإيراني، سيكون من المبكر اعتبارها إعلاناً نهائياً عن انتهاء الدبلوماسية.
فالقول إن التفاوض «لا معنى له» في الظروف الحالية يختلف سياسياً عن القول إن إيران لن تفاوض الولايات المتحدة تحت أي ظرف.
والفارق مهم.
طهران قد تكون بصدد رفع كلفة العودة إلى طاولة المفاوضات، أو محاولة تغيير شروطها، أو الضغط على واشنطن والوسطاء للحصول على ضمانات أكبر قبل استئناف أي حوار مباشر أو غير مباشر.
وفي المقابل، قد ترى واشنطن أن استمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية هو الوسيلة التي يمكن من خلالها دفع إيران إلى تقديم تنازلات.
وهنا تكمن العقدة الأساسية: كل طرف يستخدم الضغط لتحسين موقعه التفاوضي، لكن استمرار الضغط من دون قناة سياسية فعالة قد يحول أداة التفاوض نفسها إلى سبب لانهياره.
مرحلة دقيقة بين الرسائل السياسية والحسابات الميدانية
التطور الأبرز في تصريحات بزشكيان ليس فقط رفضه التفاوض في الظروف الراهنة، وإنما أنها جاءت بينما لا تزال هناك مؤشرات على وجود جهود دبلوماسية ووساطات ومحاولات لاستكشاف إمكانات التسوية.
وهذا يجعل المشهد أقرب إلى مرحلة اختبار متبادل للإرادات منه إلى قطيعة دبلوماسية مكتملة.
إيران تريد ضمانات بأن التفاوض لن يتحول إلى غطاء لمزيد من الضغوط أو التصعيد، بينما تريد الولايات المتحدة اتفاقاً يفرض قيوداً واضحة على الملفات التي تعتبرها تهديداً لمصالحها وأمن حلفائها.
وبين الموقفين، تبقى الدول الإقليمية، وفي مقدمتها الدول التي تمتلك قنوات اتصال مع الطرفين، أمام مهمة صعبة: إبقاء باب الحوار مفتوحاً قبل أن تصبح التطورات الميدانية أقوى من قدرة الدبلوماسية على احتوائها.






