دخل الصراع السياسي والعسكري في اليمن مرحلة إعادة تشكيل جذرية، عقب إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي التعبئة الشعبية العامة والدعوة لمليونية 14 أكتوبر، موجهاً ضربة قاصمة لمنظومة “الشرعية” القائمة. وبدلاً من الانخراط في المعارك الشاملة داخل الشمال، اتجه المجلس لإعادة ترسيم خطوط التماس عند حدود ما قبل مايو 1990، مستغلاً تهديدات جماعة الحوثي للملاحة الدولية في باب المندب لفرض نفسه كضامن أمني وحيد للممر المائي الدولي، وشريك مباشر مع المجتمع الدولي بعيداً عن مؤسسات الرئاسة اليمنية.
النفير الشعبي وتكريس خيار الاستقلال
التعبئة وإعلان الحدود: استغل المجلس الرمزية التاريخية لثورة 14 أكتوبر 1963 للبدء في تعبئة شعبية وعسكرية، موضحاً أن الهدف المباشر هو حماية “حدود الجنوب” المعترف بها دولياً قبل وحدة عام 1990، والامتناع عن الاستنزاف في جبهات الشمال التعقيدية.
إسقاط تهمة الانفصال: يطرح الانتقالي التحرك الحالي كـ “استعادة دولة قائمة بذاتها” نالت سابقاً اعترافاً أممياً وإقليمياً، معتبراً أن المواجهات الميدانية الجارية في الضالع والبحير والصبيحة وكرش هي معارك دفاع عن السيادة الجنوبية وليست مجرد مانورات تكتيكية.
تفكك معسكر «الشرعية» وحصاد الانقسام
القطيعة مع مؤسسات السلطة: جاء النفير الجنوبي ليعكس الشلل الكامل داخل مجلس القيادة الرئاسي، بعد اتهام المجلس الانتقالي للقرارات المتخذة في ديسمبر ويناير بإبعاد القوى الضاربة ميدانياً، وفي مقدمتها “ألسنة الحزام الأمني” و”ألبسة العمالقة”.
فشل دعوات العليمي: اعتبر الانتقالي أن دعوات النفير الصادرة عن رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي في تعز لم تحقق أي أثر ميداني، بل تزامنت مع انهيارات متتالية بسبب سوء الإدارة القيادية، واصفاً التقدم الحوثي الأخير بـ “الحصاد المر” لإقصاء القوى الفاعلة.
معادلة «قبائل التماس» وحماية الممرات
الاعتماد على التشكيلات الأهلية: أثبتت المعارك في جبهة “كهبوب” أن المقاومة القبائلية والتشكيلات الشعبية هي التي أوقفت التمدد الحوثي نحو المخا والساحل الغربي، وسجلت أكثر من 100 قتيل من أبناء القبائل بعيداً عن أطر وزارة الدفاع الرسمية.
تأمين جبهات الشريط الحدودي: تمكنت التشكيلات الجنوبية من إغلاق ثغرات جبهات الضالع ولحج، مما منع الحوثيين من تحقيق أي اختراقات استراتيجية نُحو العاصمة المؤقتة عدن.
تسييل ورقة «باب المندب» دولياً
ربط التعبئة بالأمن القومي العالمي: وضع الانتقالي تحركاته العسكرية في إطار المساهمة المباشرة لتأمين الملاحة الدولية في مضيق باب المندب، إثر تصاعد الهجمات الحوثية على الناقلات التجارية.
المطالبة بصيغة أمنية جديدة: يسعى المجلس عبر تحريك الشارع وقواته الميدانية للضغط نحو إيجاد صيغة تعامل دولية مختلفة، تجاوز السلطة الشرعية المنهكة، وتعتمد على القوات الجنوبية كقوة أمر واقع مسؤولة عن حماية حافة البحر الأحمر والشرط الحدودي لخليج عدن.
تُثبت خطوة التعبئة العامة أن الجنوب اليمني بيت يتجه نحو فرض خيار إدارة الذات وحماية حدوده السابقة بالقوة؛ حيث لم يعد الرهان قائماً على الشراكة داخل مجلس القيادة الرئاسي، بل على تثبيت معادلة ميدانية وسياسية جديدة تستغل ملف أمن الملاحة الدولية لإغلاق ملف الوحدة نهائياً.






