رغم أن أصوات القصف خفت أخيراً وتراجع شبح المواجهة العسكرية المباشرة، فإن الشارع الإيراني لا يبدو في حالة احتفال بعد مذكرة التفاهم التي وُقّعت مع الولايات المتحدة. فبين الارتياح لانتهاء الحرب والشكوك بشأن المستقبل، يعيش الإيرانيون حالة من الترقب الحذر، مدركين أن الطريق نحو انفراج حقيقي لا يزال طويلاً ومعقداً.
ارتياح من دون نشوة
في طهران ومدن إيرانية أخرى، استقبل كثير من المواطنين نبأ التفاهم مع الولايات المتحدة بارتياح واضح، لكن من دون مظاهر الفرح التي رافقت توقيع الاتفاق النووي عام 2015.
ويقول خبراء ومراقبون إن السبب يعود إلى أن الإيرانيين تعلموا من التجارب السابقة عدم التعويل كثيراً على الاتفاقات الأولية قبل أن تتحول إلى التزامات دائمة قابلة للتنفيذ.
ويصف الباحث في الشؤون الأميركية علي نظيف بور المزاج العام بأنه “ارتياح حذر”، مشيراً إلى أن الحرب انتهت، لكن الأزمات الاقتصادية التي تثقل كاهل المواطنين لا تزال قائمة، كما أن آثار التوترات الداخلية والأحداث الأخيرة لم تندمل بعد.
ذاكرة 2015 لا تزال حاضرة
عندما تم التوصل إلى الاتفاق النووي خلال إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، شهدت إيران موجة تفاؤل واسعة انعكست على الأسواق والشارع على حد سواء.
أما اليوم، فإن المشهد مختلف تماماً. فانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب ترك جرحاً عميقاً في الوعي الإيراني، وأصبح كثيرون ينظرون إلى أي تفاهم جديد بعين الشك.
لذلك يفضّل الإيرانيون انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات المقبلة قبل إصدار أحكام نهائية بشأن مستقبل العلاقة مع واشنطن.
هل حققت طهران مكاسب حقيقية؟
يرى بعض الخبراء الإيرانيين أن مذكرة التفاهم الحالية تعكس تغيراً في المقاربة الأميركية تجاه طهران.
وبحسب هذا التقييم، لم تعد واشنطن تتحدث بلغة “الاستسلام الكامل”، بل أصبحت أكثر استعداداً لأخذ المصالح الإيرانية وهواجسها الأمنية في الاعتبار.
كما يعتبر مؤيدو الاتفاق أن إحدى أهم نتائجه تتمثل في بدء تخفيف الضغوط الاقتصادية، خاصة مع السماح باستئناف صادرات النفط والإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، وهي خطوات يمكن أن تمنح الاقتصاد الإيراني متنفساً يحتاجه بشدة.
العقوبات.. الأزمة التي تؤرق الإيرانيين
ورغم البنود السياسية والأمنية الواردة في التفاهم، تبقى المسألة الاقتصادية هي الهاجس الأكبر بالنسبة لغالبية الإيرانيين.
فالعقوبات الدولية الممتدة منذ سنوات طويلة، إلى جانب مشكلات الإدارة الاقتصادية الداخلية، أدت إلى تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم وتآكل قيمة العملة المحلية.
وقد شهد الريال الإيراني تحسناً ملحوظاً عقب الإعلان عن الاتفاق، ما أعاد بعض الأمل إلى الأسواق، غير أن الخبراء يحذرون من المبالغة في التوقعات.
فرفع العقوبات لا ينعكس فوراً على حياة المواطنين، بل يحتاج إلى وقت طويل حتى تظهر نتائجه في قطاعات الاستثمار والتجارة وفرص العمل.
الملف النووي.. نقطة الاختبار الحقيقية
ورغم أهمية التفاهم الحالي، فإن العقبة الأساسية لا تزال تتمثل في الملف النووي الإيراني.
فالجولة المقبلة من المفاوضات ستبحث بشكل مباشر مستقبل البرنامج النووي، وهي القضية الأكثر حساسية بين الجانبين.
وبينما يعتبر بعض الإيرانيين البرنامج النووي رمزاً للسيادة الوطنية والاستقلال العلمي، يرى آخرون أنه أصبح عبئاً مكلفاً تسبب في فرض عقوبات أضرت بالاقتصاد الوطني أكثر مما حققت من مكاسب.
أما غالبية الإيرانيين، وفق تقديرات عدد من الباحثين، فتتبنى موقفاً وسطياً يقوم على الحفاظ على برنامج نووي مدني سلمي مقابل التوصل إلى تسوية تضمن رفع العقوبات وعودة البلاد إلى الاقتصاد العالمي.
هل تكفي 60 يوماً للوصول إلى اتفاق شامل؟
تنص مذكرة التفاهم على فترة تفاوض تمتد 60 يوماً للوصول إلى اتفاق نهائي، إلا أن العديد من الخبراء يشككون في إمكانية إنجاز ملف بهذه التعقيدات خلال هذه المدة القصيرة.
ويستشهد هؤلاء بالتجربة السابقة، إذ استغرقت مفاوضات الاتفاق النووي لعام 2015 نحو عامين كاملين قبل الوصول إلى الصيغة النهائية.
لذلك يرجح مراقبون أن تستمر المحادثات عدة أشهر إضافية إذا أبدى الطرفان رغبة حقيقية في التوصل إلى تسوية مستدامة.
بين الأمل والخوف
في النهاية، لا يبدو الإيرانيون اليوم متفائلين بشكل مفرط ولا متشائمين بالكامل. فالتفاهم مع الولايات المتحدة منحهم أملاً بإمكانية الخروج من دوامة العقوبات والتوترات، لكنه في الوقت ذاته أعاد إلى الأذهان تجربة اتفاق انهار بعد سنوات قليلة من توقيعه.
ولهذا السبب، يختصر كثير من الإيرانيين موقفهم الحالي بكلمة واحدة: الانتظار.
انتظار ما إذا كانت هذه المرة ستقود فعلاً إلى اتفاق دائم ينعش الاقتصاد ويخفف الضغوط عن المواطنين، أم أنها ستكون مجرد محطة جديدة في سلسلة طويلة من التفاهمات المؤقتة التي لم تنهِ الصراع بين طهران وواشنطن.




