أعلنت حركة حماس، الجمعة، موافقتها على اتفاق يتضمن نزع سلاحها مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من قطاع غزة، في إطار ما يوصف بالمرحلة الثانية من المبادرة التي تقودها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب المستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وجاء الإعلان بعد نحو 24 ساعة من كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن التوصل إلى الاتفاق، في وقت لم تصدر فيه الحكومة الإسرائيلية موقفًا رسميًا، ما أبقى مصير الخطة مرهونًا بالمواقف السياسية داخل إسرائيل وبالمفاوضات المنتظرة بشأن آليات التنفيذ.
انقسام داخل إسرائيل
ورغم غياب تعليق رسمي من الحكومة الإسرائيلية، سارع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى رفض الاتفاق، معتبرًا أنه “غير مقبول بالنسبة لإسرائيل”.
وقال بن غفير إن وقف العمليات العسكرية في غزة يمنح حماس فرصة لإعادة تنظيم صفوفها والاستعداد لمواجهة جديدة، في إشارة إلى هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 الذي شكل نقطة انطلاق الحرب الحالية.
ويعكس هذا الموقف استمرار الانقسام داخل الائتلاف الحاكم بشأن مستقبل الحرب، وحدود أي تسوية يمكن أن تقبل بها إسرائيل.
ترامب: إسرائيل متعاونة
من جانبه، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إسرائيل أبدت تعاونًا مع الجهود الرامية إلى إنجاز الاتفاق.
وقال للصحفيين خلال وجوده في كامب ديفيد: “لدينا اتفاق مع إسرائيل، وهي سعيدة جدًا به، وقد كانت متعاونة للغاية في هذا الشأن”، في إشارة إلى الدور الأميركي في دفع المفاوضات.
وتشير هذه التصريحات إلى أن واشنطن ترى أن هناك تفاهمًا مبدئيًا مع الجانب الإسرائيلي، حتى وإن لم يُترجم بعد إلى إعلان رسمي من الحكومة.
الأمم المتحدة ترحب
ورحب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بما وصفه بأنه “الخبر الجيد الوحيد” القادم من منطقة أنهكتها الحرب، معربًا عن أمله في أن يشكل الاتفاق بداية لإنهاء القتال وتخفيف المعاناة الإنسانية في القطاع.
ويأتي هذا الترحيب في ظل استمرار الأزمة الإنسانية في غزة، حيث يواجه السكان نقصًا حادًا في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.
آراء متباينة داخل غزة
داخل القطاع، استقبل السكان الأنباء بحذر، إذ اختلطت مشاعر الأمل بالشك في إمكانية صمود الاتفاق.
وقال أحمد آل، وهو سائق سيارة أجرة، إنه لا يثق في التزام إسرائيل بأي اتفاق، معربًا عن اعتقاده بأن القتال قد يستأنف عند أول خلاف.
في المقابل، رأى المدرس النازح محمد حمدونة أن مستقبل غزة يجب ألا يشهد أي دور عسكري لحركة حماس، معتبرًا أن سنوات الحرب فرضت أثمانًا باهظة على المدنيين.
نزع السلاح شرط أساسي
في المقابل، شدد مصدر سياسي إسرائيلي على أن أي انسحاب من قطاع غزة لن يتم ما لم يتحقق “نزع سلاح حقيقي” لحركة حماس، وهو المطلب الذي تكرر في المواقف الإسرائيلية منذ بداية الحرب.
وتسيطر القوات الإسرائيلية حاليًا على أكثر من 60% من مساحة القطاع، ضمن مناطق عسكرية تفصلها عن المناطق الأخرى خطوط أمنية وضعتها إسرائيل خلال العمليات البرية.
ماذا تتضمن خريطة الطريق؟
وبحسب الوثيقة التي نشرها “مجلس السلام”، تتكون خريطة الطريق من 15 بندًا، أبرزها:
- وقف العمليات العسكرية من الجانبين.
- انسحاب إسرائيلي تدريجي وفق مراحل محددة.
- نزع سلاح الفصائل المسلحة.
- تولي اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG) مسؤولية إدارة الشؤون المدنية خلال المرحلة الانتقالية.
- إطلاق مسار لإعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية.
وتهدف هذه البنود إلى إنشاء مرحلة انتقالية تمهد لإدارة جديدة للقطاع بعيدًا عن المواجهة العسكرية.
حماس تراهن على الوسطاء
وقال عضو المكتب السياسي لحركة حماس غازي حمد إن الحركة تعول على الوسطاء و”مجلس السلام” لضمان التزام إسرائيل ببنود الاتفاق، مؤكدًا أن نجاح الخطة يتوقف على وجود ضمانات دولية واضحة.
من جانبه، أوضح الممثل السامي لغزة في “مجلس السلام”، نيكولاي ملادينوف، أن الانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح يجب أن يسيرا بالتوازي، مشيرًا إلى أن تنفيذ الاتفاق سيتطلب أشهرًا من المفاوضات الفنية والسياسية.
تحديات سياسية أمام نتنياهو
ويرى مراقبون أن العقبة الأكبر قد تكون داخل الساحة السياسية الإسرائيلية، خاصة مع اقتراب الانتخابات التشريعية.
ويعتقد الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، محمد شحادة، أن أي موافقة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على انسحاب واسع أو إطلاق مشاريع إعادة إعمار في غزة قد تعرضه لضغوط شديدة داخل ائتلافه الحاكم، وهو ما قد يجعل تنفيذ الاتفاق أكثر تعقيدًا رغم الإعلان عنه.
اتفاق ينتظر الاختبار
ورغم الترحيب الدولي والإشارات الأميركية الإيجابية، يبقى الاتفاق في مرحلة دقيقة، إذ يعتمد نجاحه على قدرة الوسطاء في تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية على الأرض، وعلى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات في ملفات تعد الأكثر حساسية، وفي مقدمتها نزع السلاح، والانسحاب العسكري، وترتيبات إدارة قطاع غزة بعد الحرب.






