تشهد السياسة الإفريقية لفرنسا مرحلة ارتباك غير مسبوقة، بعدما انهار نموذج “فرانس أفريك” الذي شكّل لعقود ركيزة النفوذ الفرنسي في القارة. وبينما تتعرض باريس لانتكاسات متتابعة في فضائها التقليدي الفرانكفوني، تسعى اليوم إلى إعادة التموضع عبر فتح قنوات مع دول ناطقة بالإنجليزية مثل نيجيريا وكينيا، في محاولة واضحة للهروب من تركة الماضي وإيجاد أبواب جديدة للنفاذ إلى القارة.
هذه القراءة يسلّط الضوء عليها عدد من الباحثين، من بينهم الكاتب البريطاني هاري كلينش Harry Clynch، الذي يرى أن باريس تتحرك تحت ضغط تراجع تاريخي، وليس ضمن رؤية استشرافية مدروسة. فخسارة النفوذ في الساحل، وتصاعد العداء الشعبي والسياسي، جعلت فرنسا في موقع “الدفاع الاستراتيجي”، وليس في موقع لاعب يمتلك زمام المبادرة.
مقدمة الحدث وتحول الخطاب الفرنسي
في خطابه بمناسبة يوم إفريقيا 2025 في معهد العلوم السياسية بباريس، حاول وزير الخارجية جان نويل بارو تلميع صورة الدور الفرنسي، عبر التأكيد على أن إفريقيا “جزء من قوة فرنسا” وأن باريس لا تزال شريكًا قادرًا على الابتكار والدعم. لكن هذا الخطاب، وبرغم طابعه الودي، يعكس قلقًا فرنسيًا عميقًا من خسارة الأرضية السياسية والاقتصادية في القارة.
كما أشار بارو إلى أن فرنسا تعمل على “تحديث إستراتيجيتها القارية” استعدادًا لقمة فرنسا–إفريقيا في نيروبي العام المقبل. لكن اختيار كينيا –وهي دولة غير فرانكفونية– لاستضافة القمة، يُعتبر بحد ذاته اعترافًا صريحًا بأن النفوذ الفرنسي في المجال التقليدي لم يعد قابلًا للترميم.
نهاية “فرانس أفريك”: سقوط نموذجٍ استعماري قديم
تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا لم يكن مجرد نتيجة لانقلابات الساحل في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بل هو حصيلة تراكمات طويلة من السياسات التي تمسكت فيها باريس بدور “الوصي” على مستعمراتها السابقة. فاستمرار استخدام الفرنك الإفريقي –المربوط بالخزانة الفرنسية– كان أحد أهم أسباب الغضب الشعبي، واعتُبر شكلاً من أشكال الهيمنة المالية.
مع الانقلابات الأخيرة، كان المشهد واضحًا:
-
طرد القوات الفرنسية
-
إنهاء الاتفاقيات العسكرية
-
التوجه نحو شراكات جديدة مع روسيا وتركيا والصين
وفي المجال الاقتصادي، تراجعت الشركات الفرنسية الكبرى بشكل لافت. فقد انسحبت مجموعة كريدي أغريكول، وBNP Paribas، وسوسيتيه جنرال من عدة أسواق إفريقية بسبب ارتفاع المخاطر وانخفاض العوائد، كما أشار مدير وكالة “فيتش” جمال الملالي. هذا الانكماش الاقتصادي يعكس واقعًا واحدًا: لم تعد إفريقيا تعتبر فرنسا شريكًا مفضلاً أو مضمونًا كما في الماضي.
لماذا الآن؟ ولماذا نيجيريا وكينيا؟
توجّه باريس نحو نيجيريا وكينيا ليس نابعًا من اكتشاف جديد لأهمية هذه الاقتصادات، بل من فقدانها النفوذ في فضائها الطبيعي. فسواء في نيجيريا –أكبر اقتصاد في القارة– أو في كينيا –المركز المالي والتجاري في شرق إفريقيا– تحاول فرنسا إعادة بناء صورة جديدة: شريك اقتصادي، وليس وصيًا سياسيًا.
لكن هذه الجهود تواجه تحديات حقيقية:
-
النفوذ البريطاني والأميركي راسخ في هذه الدول.
-
تركيا، الصين، السعودية، وروسيا توسّع حضورها بقوة.
-
الحكومات الإفريقية باتت تمتلك خيارات متعددة وتفاوض من موقع قوة.
كما أن القمم الدولية –كالقمة التركية الإفريقية، السعودية الإفريقية، الكورية، واليابانية– تفتح أمام العواصم الإفريقية فرصًا أكبر لتنويع الشركاء، وتقليص الاعتماد على فرنسا.
لماذا فشلت فرنسا؟
تراجع الدور الفرنسي في إفريقيا لم يأتِ نتيجة ظرف سياسي عابر، بل هو حصيلة مسار طويل من سوء تقدير التحولات العميقة التي شهدتها القارة. فباريس، التي اعتادت التعامل مع إفريقيا كامتداد طبيعي لمجالها الحيوي، وجدت نفسها فجأة أمام بيئة دولية وإقليمية تغيّرت قواعدها بالكامل. ورغم التحذيرات المبكرة، بقيت السياسات الفرنسية أسيرة أدوات نفوذ قديمة ترى في إفريقيا “حديقة خلفية”، في وقت انتقلت فيه القوى الصاعدة—مثل الصين وتركيا ودول الخليج والهند—إلى نموذج أكثر نفعية يقوم على الاستثمار والشراكات المتوازنة بدلاً من العلاقات الهرمية التقليدية.
وما زاد الأزمة تفاقماً هو غياب أي رؤية تنموية واقعية. فرغم كثافة الخطابات عن دعم الاستقرار والنمو، لم تُترجَم الوعود الفرنسية إلى مشاريع كبرى أو مبادرات بنية تحتية تضاهي ما تقدّمه الصين، التي غيّرت قواعد اللعبة عبر مبادرة “الحزام والطريق” ومشاريع استراتيجية تلامس حياة الأفارقة اليومية. وهكذا أصبح الفارق بين الوعود الفرنسية والإنجازات الصينية أو التركية أو الخليجية واضحاً ومحرجاً.
إلى جانب ذلك، أخطأت باريس في قراءة المزاج الشعبي الإفريقي. فقد صارت معاداة النفوذ الفرنسي—خصوصاً في الساحل وغرب إفريقيا—عنصراً أساسياً في الوعي السياسي الجديد، ورافعة مهمة لصعود نخب جديدة ترى في التخلص من الإرث الاستعماري شرطاً لنهضة وطنية. ومع تآكل شرعية الأنظمة التقليدية الحليفة لفرنسا، لم يعد بالإمكان تمرير السياسات عبر القنوات القديمة أو الاعتماد على “الأصدقاء التاريخيين” لضمان النفوذ.
أمام هذا الانحسار، تحاول باريس اليوم إعادة التموضع عبر التوجّه نحو الدول الناطقة بالإنجليزية في جنوب وشرق إفريقيا. لكن هذا التحرك يبدو أشبه بعملية إنقاذ متأخرة أكثر منه توسعاً استراتيجياً مدروساً. فالفراغ الذي تركته في مستعمراتها السابقة لا يمكن تعويضه بسهولة، ولا يمكن ملؤه من دون مراجعة نقدية شاملة للسياسات التي حكمت علاقتها بالقارة لعقود طويلة.
وإذا لم تُقدِم فرنسا على تغيير جذري في طريقة فهمها للمصالح المشتركة، والانتقال فعلياً من عقلية الامتيازات التاريخية إلى منطق الشراكة المتوازنة، فإن نفوذها سيستمر في الانحسار. وفي ظل منافسة عالمية شديدة على إفريقيا، تبدو باريس وكأنها تواجه مرحلة طويلة من التراجع تحاول فقط تأجيلها، لا منعها.






