انطلقت في منتجع بورغنستوك السويسري أولى جولات المحادثات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ توقيع مذكرة التفاهم المؤقتة التي أنهت الحرب بين الجانبين، وسط أجواء مشحونة بالخلافات حول تنفيذ الالتزامات المتبادلة، وفي مقدمتها وضع مضيق هرمز الذي تحول إلى العقدة الأكثر تعقيداً على طاولة التفاوض.
وتحمل هذه الجولة أهمية استثنائية باعتبارها أول اختبار عملي لقدرة مذكرة التفاهم الموقعة في 18 يونيو على الانتقال من إطارها السياسي إلى خطوات تنفيذية ملموسة، في ظل مشاركة وفود رفيعة المستوى من واشنطن وطهران، إلى جانب وسطاء من قطر وباكستان، اللتين لعبتا دوراً محورياً في التوصل إلى اتفاق وقف الحرب.
وشهد المنتجع السويسري سلسلة من اللقاءات التمهيدية قبل انطلاق الجلسة الرباعية، حيث التقى نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، فيما عقد رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني اجتماعاً منفصلاً مع رئيس الوفد الإيراني محمد باقر قاليباف، في مسعى لتقريب وجهات النظر بشأن آليات تنفيذ الاتفاق والانتقال إلى مرحلة التفاوض النهائي.
خلاف هرمز يطغى على بداية المفاوضات
ورغم الآمال المعقودة على المحادثات، فإن الخلاف حول مضيق هرمز فرض نفسه بقوة منذ اللحظات الأولى لانطلاق الاجتماعات، ففي الوقت الذي تؤكد فيه طهران أن المضيق لا يزال مغلقاً أمام حركة السفن التجارية، تصر واشنطن على أن الملاحة تسير بصورة طبيعية وأن القوات الأميركية تواصل تأمين أحد أهم الممرات المائية في العالم.
وتعتبر إيران أن استمرار إغلاق مضيق هرمز يأتي رداً على ما تصفه بعدم الالتزام الكامل ببنود مذكرة التفاهم، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، بينما ترى الولايات المتحدة أن أي قيود على الملاحة الدولية تمثل تهديداً مباشراً لاستقرار أسواق الطاقة العالمية.
ويكتسب هذا الخلاف أهمية استثنائية نظراً لأن مضيق هرمز يمثل شرياناً حيوياً لنقل النفط والغاز، إذ كان يمر عبره قبل الحرب نحو خمس الإمدادات العالمية من الطاقة، ما يجعل أي توتر بشأنه قادراً على إحداث اضطرابات واسعة في الأسواق الدولية.
النفط والأصول المجمدة في قلب المباحثات
إلى جانب ملف هرمز، تتصدر القضايا الاقتصادية جدول أعمال المحادثات، حيث تسعى طهران للحصول على ضمانات عملية تتعلق بتخفيف القيود على صادرات النفط والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.
وتعتبر القيادة الإيرانية أن تنفيذ البنود الاقتصادية الواردة في مذكرة التفاهم يمثل المعيار الحقيقي لقياس جدية واشنطن في الالتزام بالاتفاق، مؤكدة أن الانتقال إلى مرحلة التفاوض النهائي لن يكون ممكناً دون خطوات ملموسة في هذا الاتجاه.
وفي المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى هذه الملفات باعتبارها جزءاً من حزمة أوسع تشمل الملف النووي الإيراني والترتيبات الأمنية والبحرية في المنطقة، وهو ما يفسر تعقيد المفاوضات وحجم الملفات المطروحة على طاولة البحث.
كما تراهن طهران على أن يؤدي تنفيذ التعهدات الاقتصادية إلى فتح الباب أمام استثمارات وشراكات جديدة في قطاع الطاقة، خاصة بعد إعلان مسؤولين إيرانيين إعداد مشاريع جاهزة للتنفيذ فور بدء تطبيق الالتزامات الاقتصادية المنصوص عليها في الاتفاق.
وفود ثقيلة تعكس حجم الرهانات
ويعكس مستوى التمثيل السياسي والأمني في المحادثات حجم الرهانات المرتبطة بها، إذ يترأس نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس الوفد الأميركي، إلى جانب المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، فيما يضم الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي ومسؤولين من مجلس الأمن القومي والبنك المركزي وقطاع النفط.
كما تشارك باكستان بوفد رفيع يضم رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير، في حين تواصل قطر أداء دور الوسيط الرئيسي بين الجانبين.
ويؤكد هذا الحضور الرفيع أن القضايا المطروحة لا تقتصر على الجوانب السياسية فقط، بل تمتد إلى ملفات أمنية واقتصادية واستراتيجية معقدة تتطلب قرارات على أعلى المستويات.
لبنان حاضر في خلفية المشهد
ورغم أن الملف النووي وهرمز يستحوذان على النصيب الأكبر من الاهتمام، فإن الوضع في لبنان يظل حاضراً بقوة في خلفية المفاوضات.
وتعتبر طهران أن استمرار الضربات الإسرائيلية في جنوب لبنان يمثل خرقاً مباشراً للبند الأول من مذكرة التفاهم، الذي ينص على إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية.
وفي المقابل، تؤكد إسرائيل أنها ليست طرفاً في الاتفاق الأميركي الإيراني، وأنها ستواصل اتخاذ ما تراه إجراءات ضرورية لحماية أمنها، وهو ما يضيف بعداً جديداً من التعقيد إلى مسار التفاوض.
ويخشى مراقبون أن يؤدي استمرار التوتر في لبنان إلى تقويض الثقة بين الطرفين، خصوصاً أن الجانب الإيراني يربط بين تنفيذ بقية بنود الاتفاق والالتزام الكامل بوقف العمليات العسكرية في المنطقة.
اختبار حاسم لمستقبل التفاهم
وتمثل محادثات بورغنستوك محطة مفصلية في مسار العلاقات الأميركية الإيرانية، إذ لا تقتصر أهميتها على تثبيت وقف الحرب فحسب، بل تمتد إلى رسم ملامح المرحلة المقبلة في ملفات النووي والعقوبات والطاقة والأمن الإقليمي.
وبينما يسعى الوسطاء القطريون والباكستانيون إلى منع انهيار التفاهم الوليد، يبقى نجاح الجولة مرهوناً بقدرة الطرفين على تجاوز الخلافات المبكرة، خصوصاً بشأن مضيق هرمز والالتزامات الاقتصادية.
وفي حال نجحت الاجتماعات في تحقيق تقدم ملموس، فإنها قد تمهد لانطلاق مفاوضات تمتد لشهرين بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي شامل، أما إذا تعثرت بسبب الخلافات الحالية، فقد تجد المنطقة نفسها أمام موجة جديدة من التصعيد السياسي والأمني، تهدد بإعادة خلط أوراق الشرق الأوسط من جديد.




