في ظل تصاعد التحديات الداخلية والضغوط الخارجية، وجه المرشد الإيراني علي خامنئي خطاباً شاملاً إلى حكومة الرئيس مسعود بزشكيان بمناسبة «أسبوع الحكومة»، ركز فيه على ما سماه «حالة اللاحرب واللاسلم» التي تعيشها إيران، داعياً إلى تجاوزها عبر تعزيز الإجماع الداخلي وتحسين الوضع المعيشي والاقتصادي.
وفي حين شدد خامنئي على ضرورة ضبط السوق ورفع إنتاج النفط وتنويع زبائنه، تجنب الخوض في التهديدات الأوروبية بإعادة فرض العقوبات عبر آلية «سناب باك»، مفضلاً تسليط الضوء على نجاحات الحكومة في السياسة الخارجية، ولا سيما زيارتها الأخيرة إلى بكين ومشاركتها في قمة «شنغهاي للتعاون».
وبينما طالب بتفعيل دور الإعلام لترويج صورة «القوة» وتعزيز ثقة المجتمع، اعتبر أن «الوفاق الوطني» يمثل فرصة حقيقية ينبغي استثمارها لمواجهة التحديات المقبلة.
التركيز على تحسين المعيشة وضبط السوق
دعا خامنئي الحكومة إلى جعل تحسين الأوضاع المعيشية أولوية قصوى، مؤكداً أن ضبط الأسعار المنفلتة وتعزيز الإنتاج المحلي يشكلان أساس الحفاظ على الكرامة الوطنية.
وحذّر من استمرار الأوضاع الاقتصادية المضطربة التي قد تؤدي إلى تآكل الثقة الشعبية في مؤسسات الدولة.
انتقد المرشد الإيراني اعتماد صناعة النفط على معدات وأساليب قديمة، مطالباً بالاستفادة من الطاقات الشبابية لإحداث نقلة نوعية في عمليات الإنتاج والاستخراج.
كما شدد على ضرورة التخطيط المبكر لتأمين مخزون الغاز لفصل الشتاء، معتبراً أن زيادة الصادرات وتنويع الأسواق باتت حاجة ملحة.
أشاد خامنئي بأداء الحكومة خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل في يونيو (حزيران)، واعتبر زيارتها الأخيرة إلى بكين «إنجازاً استراتيجياً» يفتح آفاق تعاون جديدة مع الصين وروسيا، لكنه في المقابل، تجاهل التهديدات الأوروبية بفرض عقوبات جديدة، وهو ما يعكس محاولة لتجنب إظهار أي ضعف أمام الداخل والخارج.
شدد خامنئي على دور الإعلام في صياغة صورة الجمهورية الإسلامية أمام الرأي العام، محذراً من التركيز على السلبيات فقط. وأكد أن على الصحافة والتلفزيون والمسؤولين الحكوميين إبراز نقاط القوة والقدرات الوطنية لتعزيز الروح المعنوية وثقة المجتمع بالدولة.
الوفاق الوطني شعار المرحلة
أكد خامنئي أن الظروف الراهنة تمهد الطريق لبناء توافق داخلي بين السلطات الثلاث، واصفاً التناغم الحالي بأنه أفضل مما كان عليه في الماضي.
كما أعرب عن دعمه لمشروع بزشكيان القائم على «الوفاق الوطني»، ورأى أن تقليص الأجهزة الحكومية وخفض عدد الموظفين خطوات إصلاحية صعبة لكنها ضرورية لتحقيق الكفاءة.
الاقتصاد كأولوية سياسية
تركيز خامنئي على الاقتصاد يعكس إدراك القيادة أن الأزمات المعيشية تشكل التحدي الأكبر أمام استقرار النظام، فالتضخم وضعف القوة الشرائية يفرضان على الحكومة إثبات جدارتها بسرعة عبر نتائج ملموسة.
خطاب خامنئي يبرز مأزق السياسة الخارجية الإيرانية، العالقة بين مواجهة مفتوحة مع الغرب وتسويات جزئية لا ترفع العقوبات. هذه الحالة تضع البلاد في مسار انتظار طويل يستهلك طاقاتها دون تحقيق اختراقات حاسمة.
ووفقا لخبراء، فإن محاولة الدفع باتجاه توافق داخلي تأتي لمواجهة الانقسامات السياسية الحادة، خصوصاً مع تصاعد انتقادات المحافظين. لكن نجاح هذا الخيار سيعتمد على قدرة بزشكيان في تحويل الشعار إلى سياسات عملية قادرة على تقليل التوترات.
كما أن الإصرار على خطاب إعلامي إيجابي يعكس مخاوف من تنامي مشاعر الإحباط الشعبي، وهو ما يجعل الإعلام أداة سياسية بامتياز، تُستخدم لحماية الجبهة الداخلية وتثبيت صورة «القوة» رغم التحديات الاقتصادية والضغوط الخارجية.
وكشف الخبراء، أن إشادة خامنئي بزيارة بزشكيان إلى بكين وموسكو تكشف عن استمرار استراتيجية «الاستدارة شرقاً» لمواجهة العزلة الغربية. غير أن الاعتماد المفرط على هذه الشراكات قد يضع إيران في موقع التبعية لشركاء لا يمنحونها الاستقلالية الكاملة.






