في خطوة تُعد مؤشرًا على تصاعد الدور المغربي في القارة الإفريقية، وتعميق الشراكة الاستراتيجية مع الصين، أعلن وزير الصحة المغربي، أمين التهراوي، عن توجه بلاده لتطوير تعاون “ثلاثي الأبعاد” مع الدول الإفريقية في قطاع الصحة، بالشراكة مع الصين.
جاء ذلك خلال الاحتفال بالذكرى الخمسين لإرسال أول بعثة طبية صينية إلى المملكة المغربية، والذي أُقيم بالعاصمة الرباط، وشهد حضورًا دبلوماسيًا وصحيًا رفيع المستوى من الجانبين.
رؤية موحدة لتنمية إفريقيا صحياً
أكد التهراوي أن المغرب والصين يتقاسمان رؤية استراتيجية موحدة لتنمية القارة الإفريقية، تقوم على ثلاث ركائز رئيسية، وهي الاستثمار في النظم الصحية، والتعاون التقني وتبادل الخبرات، وتعزيز القدرات المحلية عبر التدريب والتمكين.
وأوضح أن المغرب، مستندًا إلى عمقه الإفريقي وخبرته المتراكمة في القطاع الصحي، يسعى لأن يكون منصة إقليمية لتفعيل التعاون الثلاثي مع الدول الإفريقية الأخرى، مستفيدًا من التكنولوجيا الصينية والتجربة التنموية الرائدة في قطاع الصحة.
تحالف من أجل المستقبل: الطب الرقمي والذكاء الاصطناعي
الوزير المغربي أشار إلى أن الشراكة المغربية-الصينية لم تعد تقتصر على البعثات الطبية أو الدعم الإغاثي، بل تطورت لتشمل مجالات طبية متقدمة، من أبرزها الصحة الرقمية، والذكاء الاصطناعي في التشخيص والعلاج والتطبيب عن بُعد، والتأهيل المتخصص للكوادر، والبحث الطبي الحيوي، والطب التقليدي التكاملي.
وأكد أن هذه المجالات تمثل مستقبل الطب في إفريقيا، مشددًا على أهمية جعل الابتكار رافعة مركزية في إصلاح المنظومة الصحية الوطنية، وتحقيق أهداف التغطية الصحية الشاملة.
مبادرات ملموسة ودروس من الجائحة
استعرض التهراوي أبرز نماذج التعاون الناجح، وعلى رأسها المساعدات الصينية خلال جائحة كورونا، والتي شملت تبرعات من المعدات الطبية واللقاحات، إلى جانب استضافة أطباء مغاربة للتدريب في المستشفيات الصينية، ما أسهم في رفع الكفاءة المهنية وتبادل الخبرات.
وشدد على أن المغرب يُطلق حاليًا إصلاحًا شاملًا للمنظومة الصحية يهدف إلى تحقيق عدالة الوصول للخدمات الصحية، وتحسين جودة الرعاية والعلاجات، وتعزيز جاذبية القطاع العام الطبي، وإدماج الرقمنة والابتكار في النظام الصحي الوطني.
شنغهاي: 50 عامًا من الشراكة الإنسانية
من جانبه، قال قونغ تشنغ، عمدة الحكومة البلدية لمدينة شنغهاي الصينية، إن البعثات الطبية التي أرسلتها بلاده إلى المغرب خلال الخمسين عامًا الماضية جسدت التزامًا إنسانيًا وتنمويًا تجاه الشعوب الإفريقية.
وأضاف: “الأطباء الصينيون عملوا جنبًا إلى جنب مع زملائهم المغاربة، وأسهموا في ترسيخ تجربة فريدة من التعاون جنوب-جنوب، أرست جسورًا جديدة بين الحضارات، وساهمت في بناء مجتمع صحي صيني-إفريقي مشترك.”
وأعرب عن تطلع الصين إلى تعميق هذا التعاون ليشمل دعم البنية التحتية الصحية، وتطوير صناعة الأدوية والمستلزمات الطبية داخل القارة.
شراكة مبتكرة لمستقبل صحي واعد
ويرى مراقبون أن المغرب والصين بصدد تدشين نموذج جديد للشراكة في إفريقيا، قائم على المصلحة المشتركة والاستدامة، وليس فقط المساعدات قصيرة الأجل.
هذا التوجه يعزز من مكانة المغرب كفاعل محوري في القارة، قادر على تجميع القوى الصاعدة في مشروعات تنموية تخدم القارة بأكملها، بدءًا من الصحة، ومرورًا بالتعليم والتكنولوجيا، ووصولًا إلى صناعة الدواء وتوطين المعرفة الطبية.
في ظل هذه الديناميكية، تتجه أنظار الدول الإفريقية إلى الرباط وبكين، حيث يتبلور تحالف ثلاثي واعد قد يُحدث تحولًا جذريًا في المشهد الصحي الإفريقي خلال السنوات القادمة.





