تصريحات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا” بشأن تفاقم المجاعة في قطاع غزة تكشف عن عمق الأزمة الإنسانية التي يعيشها القطاع، وتوضح في الوقت ذاته البعد السياسي الذي يقف وراء تعقيد الوضع. ففي بيانها، حمّلت الوكالة مسؤولية الأزمة لمحاولات استبدال نظام المساعدات الأممي القائم منذ عقود، بآلية جديدة ذات دوافع سياسية، وهو ما تعتبره الوكالة السبب المباشر لانزلاق غزة نحو المجاعة.
تقديم الخدمات الإنسانية للاجئين
الأونروا، التي تمثل الذراع الأممية الأبرز في تقديم الخدمات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين، ترى أن أي تغيير في آلية توزيع المساعدات خارج إطارها يعكس نية واضحة لتقويض دور الأمم المتحدة وتفريغ مؤسساتها من وظائفها. هذا التوجه، بحسب الوكالة، لا يقتصر على مجرد إعادة هيكلة إجرائية، بل هو جزء من محاولة لإعادة صياغة المشهد الإنساني في القطاع بما يخدم أجندات سياسية محددة. والنتيجة المباشرة لذلك، وفق التحذيرات، هي انهيار نظام الحماية الإنساني وترك المدنيين رهينة اعتبارات سياسية لا علاقة لها بحقوقهم الأساسية.
الانتقادات التي وجهتها الأونروا للنظام المقترح من جانب إسرائيل والولايات المتحدة تبدو حادة وغير مسبوقة في لهجتها، إذ وصفته بأنه “نظام منزوع الإنسانية” يقود إلى “الفوضى والموت”. هذا التوصيف يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة مقلقة: المساعدات، التي يفترض أن تكون محايدة وتستهدف حماية الأرواح، تحولت إلى أداة ضغط سياسي تُستخدم لفرض شروط ومكاسب استراتيجية. مثل هذا النهج يقوض أحد أبرز المبادئ الراسخة في القانون الدولي الإنساني، وهو حيادية المساعدات واستقلاليتها عن الصراع.
من جهة أخرى، فإن تمسك الأونروا بضرورة العودة إلى “نظام تنسيق وتوزيع موحد” يعكس إدراكها لخطر تفكك آليات العمل الإنساني، وما يعنيه ذلك من صعوبة السيطرة على الأوضاع داخل القطاع. فالفوضى في إدارة المساعدات لا تقود فقط إلى حرمان مئات الآلاف من أبسط مقومات الحياة، بل تفتح الباب أيضاً أمام تفاقم أزمات ثانوية مثل انتشار السوق السوداء، وازدياد معدلات الفقر والبطالة، وتنامي الاحتقان الاجتماعي والسياسي.
تحويل الإغاثة إلى ورقة تفاوضية
في جوهر الأزمة، يظهر الصراع على من يمتلك قرار التحكم في لقمة عيش الفلسطينيين، بين أطراف دولية وإقليمية تسعى لتثبيت نفوذها عبر إدارة المساعدات، وبين الأونروا التي تحاول الدفاع عن دورها التاريخي كضامن أساسي لاستمرار تدفق الإغاثة بعيداً عن أي أجندة سياسية. وبذلك، تصبح المجاعة في غزة ليست فقط نتيجة طبيعية للحصار والدمار المستمر منذ سنوات، وإنما أيضاً انعكاساً لصراع الإرادات السياسية على حساب حياة المدنيين.
بيان الأونروا يضع إصبعه على الجرح العميق: المشكلة ليست في نقص الغذاء والدواء فقط، وإنما في محاولات تحويل الإغاثة إلى ورقة تفاوضية. وإذا لم يتم إعادة الاعتبار لمبادئ القانون الدولي الإنساني، وتمكين المؤسسات الأممية من القيام بدورها المستقل، فإن القطاع سيواجه موجات أعمق من الانهيار الإنساني، قد تترك آثاراً طويلة الأمد على استقراره الاجتماعي والسياسي.






