أثار تصريح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي حذّر فيه من استخدام الوضع في غزة كورقة سياسية للمساومة، تساؤلات عديدة في الأوساط الفلسطينية، التي قرأت في كلامه رسالة تحذيرية من سيناريو خطير يتم التمهيد له خلف الكواليس، يتمثل في التضحية بالضفة الغربية مقابل تهدئة في غزة وتكريس واقع جديد في القطاع لصالح مشروع سياسي غير معلن.
وجاءت تصريحات السيسي، خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده في القاهرة مع نظيره الفيتنامي لوونغ كوونغ، لتؤكد بحسب دوائر فلسطينية وجود قلق مصري متصاعد من إصرار إسرائيل على مواصلة عملياتها العسكرية في غزة، وتكرار التهديدات بالسيطرة الكاملة على القطاع، في ظل تراجع الاهتمام الدولي بالملف الفلسطيني الشامل واختزال الأزمة في تفاصيل إنسانية تتعلق بإدخال المساعدات فقط.
وقال السيسي إن الوضع الإنساني المتدهور في غزة أصبح يُستخدم كورقة للمساومة السياسية، مطالبًا المجتمع الدولي، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، والدول الأوروبية، بالتحرك العاجل لوقف الحرب وضمان تدفق المساعدات الإغاثية، وهو ما اعتبره مراقبون رسالة موجهة إلى القوى الكبرى بأن استمرار تجاهل المعاناة اليومية في غزة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد والانفجار.
ونقلت صحيفة “العرب” اللندنية عن مصدر فلسطيني مطّلع أن الرئيس المصري يسعى لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، والتنبيه إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بجوانب إنسانية آنية، بل بما يمكن أن يترتب عليها من تغيير استراتيجي في بنية القضية الفلسطينية، في حال تم تمرير حلول مجتزأة تُفرض على الفلسطينيين تحت الضغط العسكري والاقتصادي.
ويأتي هذا الموقف المصري الحاد في وقت تواجه فيه القاهرة اتهامات متصاعدة من جهات إعلامية وشعبية، تتهمها بالتواطؤ في حصار غزة من خلال إغلاق معبر رفح، وهي اتهامات نفتها الحكومة المصرية مرارًا، مؤكدة أن المعبر مفتوح من جانبها، لكن الجانب الإسرائيلي هو من يعيق المرور ويمنع دخول الشاحنات الإغاثية.
في هذا السياق، كثّفت مصر من تحركاتها الدبلوماسية والسياسية، في محاولة لإعادة تصويب مسار الملف الفلسطيني ومنع انزلاقه نحو تسويات مؤقتة أو فرض واقع الأمر الواقع، إذ تسعى القاهرة لقطع الطريق أمام أي خطة تهدف إلى تهجير سكان غزة إلى أراضي سيناء، سواء بشكل طوعي أو قسري، كما تؤكد حرصها على التمهيد لمرحلة سياسية جديدة تتولاها السلطة الفلسطينية، بعد إنهاء سيطرة حركة حماس على القطاع.
وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، وضعت مصر خطة مفصّلة لإعادة تنظيم الوضع في غزة، تمهيدًا لتسليم إدارتها بالكامل إلى السلطة الفلسطينية في إطار تسوية شاملة تدعمها أطراف عربية ودولية. ونقلت مجلة “إيبوك” الإسرائيلية أن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي كشف عن ملامح خطة القاهرة، التي تتضمن إشرافًا أمنيًا فلسطينيًا وتدريبات للقوى الأمنية، بالتوازي مع تحركات سياسية لإعادة إحياء مسار إقامة الدولة الفلسطينية.
وأشارت المجلة إلى أن الخطة المصرية تحظى بتأييد من أطراف إقليمية ودولية، وتُعدّ بمثابة أرضية أولية لإطلاق مسار تفاوضي أوسع يهدف إلى تسوية نهائية، تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة، مع ضمانات دولية تحول دون انهيار الوضع الأمني مجددًا.
وتفيد المصادر أن القاهرة بدأت فعليًا في تدريب المئات من عناصر الأمن الفلسطيني داخل أراضيها، في إطار استعدادات لتولي المسؤوليات الميدانية في غزة، بمجرد التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، وهو ما يعكس رغبة مصرية واضحة في إنهاء حالة الفراغ السياسي والأمني في القطاع، وقطع الطريق أمام أي محاولات لإعادة إنتاج سيناريوهات الفوضى أو التقسيم.
في المجمل، تكشف الرسائل السياسية المتتالية من القاهرة عن شعور متنامٍ بالخطر، ليس فقط من استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، وإنما مما يُخطط للفلسطينيين على المستوى الجيوسياسي، في ظل صمت دولي مريب، وضغوط غير معلنة قد تُفضي إلى قلب معادلة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بطريقة قد تُخرج الضفة من المعادلة مقابل تسويات ظرفية في غزة.






