تصريحات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب حول الحرب في أوكرانيا، والتي أطلقها في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز”، لم تخرج عن سياق قراءته التقليدية للأزمات الدولية من زاوية بسيطة تقوم على “غياب الإرادة المشتركة للتفاوض”، لكنه تجاهل في الوقت ذاته التعقيدات الميدانية والسياسية التي جعلت هذه الحرب واحدة من أطول وأعنف الصراعات في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. ترامب عبّر عن خيبة أمله قائلاً إن التسوية لا تزال بعيدة المنال بسبب “الكراهية الكبيرة” بين الطرفين، معتبراً أن الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي لم يُبدِ مرونة كافية في التوجه نحو الحوار، فيما ظل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدوره يتعامل بانتقائية مع مبادرات التفاوض.
لكن خلف هذه الصورة المبسطة التي يقدمها ترامب، يبرز واقع ميداني شديد التعقيد. فروسيا التي دخلت الحرب مطلعها وهي تراهن على تحقيق نصر خاطف عبر السيطرة على كييف أو إحداث انهيار سريع في الدفاعات الأوكرانية، وجدت نفسها بعد أكثر من عامين أمام حرب استنزاف طويلة، عجزت فيها عن فرض الحسم العسكري الكامل. صحيح أن القوات الروسية سيطرت على مساحات واسعة في الشرق والجنوب، لكنها فشلت في إتمام السيطرة على مدن استراتيجية مثل خاركيف وأوديسا، وباتت خطوط القتال الممتدة بمئات الكيلومترات عبئاً ثقيلاً يستنزف الجنود والموارد.
في المقابل، فإن سر الصمود الأوكراني يكمن في مزيج من الدعم الخارجي والعزيمة الداخلية. المساعدات العسكرية الغربية، التي شملت صواريخ متطورة ودبابات وطائرات مسيّرة، لعبت دوراً أساسياً في تقليص الفجوة في القوة النارية بين الطرفين. وإلى جانب ذلك، اعتمدت أوكرانيا على تكتيكات مرنة قائمة على الهجمات الصغيرة وحرب العصابات خلف خطوط العدو، وهو ما أربك الجيش الروسي وأبطأ تقدمه. كما أن البنية التحتية الأوكرانية لم تنهار بالكامل بفضل شبكات بديلة للاتصالات والإمداد، وهو ما سمح للدولة بمواصلة عملها رغم القصف المستمر. لكن العامل الأهم يبقى في الإرادة الشعبية، إذ تحوّل الصراع في المخيال الأوكراني إلى حرب وجود، وهو ما جعل المجتمع بأكمله أكثر استعداداً لتحمل الخسائر ودفع كلفة الاستمرار.
هذا الواقع الميداني يفسر بدقة لماذا تأخر الحسم الروسي. فالتفوق العسكري العددي لا يكفي عندما يواجه خصماً يمتلك دعماً خارجياً هائلاً ويخوض حرباً على أرضه بدافع وجودي. ومع العقوبات الاقتصادية التي أضعفت قدرة الصناعات العسكرية الروسية، والتحديات السياسية الداخلية الناجمة عن طول أمد الحرب، أصبحت موسكو أمام خيار وحيد: استمرار المعارك بوتيرة بطيئة على أمل إنهاك الطرف الآخر، وهو ما جعل الحرب تتحول إلى نزاع استنزاف مفتوح.
على الصعيد السياسي، لا يبدو أن التسوية تلوح في الأفق قريباً. لقاء بوتين وترامب في ألاسكا الشهر الماضي أعطى انطباعاً بإمكانية التوصل إلى حلول طويلة الأمد، لكن الواقع أن كلا الطرفين الأساسيين، موسكو وكييف، لا يزالان يراهنان على تحسين مواقعهما الميدانية قبل الدخول في أي مفاوضات جدية. زيلينسكي يخشى أن يُنظر إلى أي تنازل في الداخل على أنه خيانة لدماء الأوكرانيين، فيما يسعى بوتين لتثبيت مكاسب استراتيجية على الأرض كي لا يدخل التفاوض من موقع ضعف.
الحرب في أوكرانيا لم تعد صراعاً حدودياً محدوداً، بل تحولت إلى معركة مفتوحة تختبر قدرة روسيا على فرض إرادتها بالقوة، وقدرة أوكرانيا على الصمود بفضل الدعم الغربي والإرادة الشعبية. وبين هذه المعادلة المعقدة، تبدو التسوية التي يتحدث عنها ترامب أبعد من أي وقت مضى، فيما يترسخ منطق الاستنزاف كالمسار الأرجح لمستقبل الحرب.






