فجرت مقاطع مصوّرة التُقطت خلال الزيارة الأربعينية في كربلاء والنجف جدلاً واسعاً في العراق، بعدما أظهرت زائرين وهم يؤدون حركات تحاكي «سقوط صواريخ»، إلى جانب انتشار مجسمات لصواريخ داخل بعض المراقد.
هذه الظاهرة، التي سرعان ما عُرفت إعلامياً وشعبياً باسم «ترند الصواريخ»، أثارت حفيظة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي كتب بخط يده رسالة مقتضبة انتقد فيها ما وصفه بـ«عسكرة المراقد»، مؤكداً أن هذه السلوكيات تُشوّه قدسية الشعائر وتدفعها بعيداً عن أهدافها الروحية.
انقسام داخلي.. بين مؤيد ومعارض
بينما اعتبر ناشطون أن «الترند» لا يعدو كونه «مسرحيات شبابية» ذات دلالات سياسية، رأى آخرون أن الظاهرة تمثل توظيفاً خطيراً للرموز الدينية في خدمة أجندات إقليمية.
وتحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة نقاش محتدم؛ فهناك من اعتبر أن إدخال «رمزية الصواريخ» إلى مراقد دينية مقدسة هو رسالة دعم لمحور «المقاومة»، في حين شدّد آخرون على أن المراقد ينبغي أن تبقى بعيدة عن أي استعراض عسكري أو سياسي، حفاظاً على وحدة العراقيين.
الوجود الإيراني.. رسائل متزامنة من كربلاء
تزامن الجدل مع زيارتين بارزتين لمسؤولين إيرانيين إلى العراق، الأولى للأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، والثانية لوزير الخارجية عباس عراقجي، الذي ظهر بشكل مفاجئ في كربلاء والنجف. هذه التحركات أثارت تساؤلات حول توقيتها ورسائلها، خصوصاً أنها جاءت في ذروة النقاش حول «ترند الصواريخ».
واعتبر محللون أن إيران تسعى إلى التأكيد على حضورها السياسي والديني في العراق، في وقت تحاول فيه الحكومة العراقية إعادة التوازن في علاقاتها مع واشنطن.
الدين والسياسة.. من يملك زمام المبادرة؟
الجدل الذي فجّره «ترند الصواريخ» يعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً حول حدود العلاقة بين الدين والسياسة في العراق، فبينما يرى التيار الصدري ضرورة فصل الشعائر عن أي بعد عسكري أو إقليمي، فإن جماعات أخرى تعتبر أن «المقاومة» جزء من العقيدة الدينية التي لا يمكن فصلها عن المناسبات الكبرى.
ويضع هذا الانقسام الحكومة العراقية في موقف حرج، فهي مطالبة بضبط مظاهر «عسكرة الطقوس» من جهة، والحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية المؤثرة من جهة أخرى.
وتطرح أزمة «ترند الصواريخ» بُعداً أعمق يتعلق بالسيادة العراقية نفسها. فإدخال رموز عسكرية إلى مراقد دينية تحت رعاية جماعات مرتبطة بالخارج يعكس حجم التداخل بين البعد المحلي والإقليمي، ويجعل من الشعائر الحسينية ساحة لتصفية رسائل سياسية.
في المقابل، ترى أوساط سياسية عراقية أن استمرار هذه الممارسات يضعف صورة الدولة ويُحرجها أمام المجتمع الدولي، خصوصاً في ظل محاولاتها ترميم علاقاتها مع واشنطن وإعادة التوازن بين النفوذ الإيراني والعربي والدولي.
هل يتحول «ترند الصواريخ» إلى أزمة سياسية؟
مع استمرار التفاعل الشعبي والإعلامي، يتساءل مراقبون: هل تبقى الظاهرة مجرد موجة عابرة مرتبطة بموسم الأربعينية، أم أنها ستتحول إلى أزمة سياسية أوسع تهدد التماسك الاجتماعي وتضع العراق في قلب مواجهة جديدة بين تياراته الدينية والسياسية؟.
الجواب، بحسب خبراء، سيتوقف على قدرة بغداد على ضبط السلوكيات داخل المراقد، وعلى مدى استعداد القوى المختلفة للتخلي عن محاولات استثمار الرموز الدينية في صراعات النفوذ الإقليمي، بما يحافظ على السيادة العراقية ويعيد الاعتبار للمقدسات بوصفها فضاءً للروح لا ساحة للصواريخ.






