إقرار الجيش الإسرائيلي بمقتل ضابط وثلاثة جنود في عملية نفذتها المقاومة بجباليا، يكشف جانباً حساساً من الحرب الدائرة في غزة، وهو التأثير النفسي والمعنوي العميق على صفوف الجنود والضباط. العملية التي نُفذت عبر استهداف دبابة وإطلاق النار على قائدها، تحمل رمزية كبيرة كونها تذكّر الإسرائيليين بهشاشة أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، خاصة في ظل الاستعدادات المعلنة لاجتياح مدينة غزة.
ارتفاع معدلات الضغط النفسي
الخسائر البشرية في صفوف الجيش، حتى وإن بدت محدودة رقمياً مقارنة بما يتكبده المدنيون الفلسطينيون، تمثل عبئاً نفسياً وسياسياً هائلاً على إسرائيل. كل ضابط أو جندي يُقتل يُترجم إلى أزمة داخل المجتمع الإسرائيلي الذي يتابع أخبار الحرب بقلق متزايد، ويطالب الحكومة بإنجاز سريع وواضح يبرر استمرار العمليات. لكن طول أمد الحرب وتكرار استهداف الجنود في كمائن وعمليات نوعية يفاقم حالة الإحباط ويغذي الشعور بعدم جدوى القتال.
العمليات التي تتسم بالمباغتة، مثل إلقاء عبوة ناسفة داخل دبابة، تزرع في نفوس الجنود إحساساً دائماً بعدم الأمان حتى في لحظات الاستراحة أو العودة من النشاطات القتالية. هذا الشعور بالتهديد المستمر يساهم في ارتفاع معدلات الضغط النفسي، ويؤدي إلى حالات من الانهيار والرفض غير المعلن للانخراط في العمليات. التقارير التي تسربت خلال الأشهر الماضية عن جنود يرفضون التوجه إلى جبهات القتال، أو يلجأون إلى الحصول على إعفاءات طبية ونفسية، تعكس هذا الواقع المتصاعد.
عصا موسى
الأزمة لا تقف عند حدود الجندي الفرد، بل تمتد إلى صورة الجيش في الداخل الإسرائيلي. إذ يُسوّق الاحتلال عملياته على أنها “عربات جدعون 2″، في محاولة لإضفاء طابع الحسم والسيطرة، لكن نتائج المعارك على الأرض تقدم رواية مختلفة: دبابة مشتعلة، جنود قتلى، ووحدات مدرعة تواجه مقاومة شرسة. هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني يزيد من فجوة الثقة بين القيادة السياسية والعسكرية من جهة، والجنود وعائلاتهم من جهة أخرى.
من جانب آخر، تستثمر المقاومة هذا البعد النفسي بشكل مباشر، ليس فقط عبر العمليات، وإنما أيضاً من خلال تسمية معاركها بـ”عصا موسى”، في إحالة دينية ورمزية تستهدف معنويات الجنود عبر تصوير الحرب وكأنها مواجهة قدرية غير متكافئة. هذه الحرب النفسية تعمّق لدى الجنود الإحساس بأنهم يقاتلون في بيئة معادية، لا يمكن التنبؤ بخطورتها، حيث يتحول كل شارع وكل مبنى وكل نفق إلى مصدر تهديد محتمل.
انشقاقات صامتة
تاريخياً، اعتمد الجيش الإسرائيلي على التفوق التكنولوجي والتدريب المنظم لتقليل خسائره البشرية، لكن استمرار المقاومة في استهداف الدبابات والآليات الثقيلة يهدد هذه الركيزة، ويحوّل المعدات العسكرية المتطورة إلى عبء نفسي على الجنود الذين باتوا يدركون أن امتلاك سلاح متطور لا يعني الحماية المطلقة. هذه المعادلة تترجم نفسها تدريجياً في شكل حالات رفض للخدمة، انشقاقات صامتة، وتزايد الحاجة إلى الدعم النفسي للجنود العائدين من القتال.
يمكن القول إن عمليات المقاومة في غزة لا تقتصر على بعدها العسكري المباشر، بل تتجاوز ذلك إلى تقويض معنويات الجيش الإسرائيلي وإثارة نقاش داخلي حول جدوى الحرب وأثمانها البشرية. ومع اتساع نطاق هذه العمليات، قد يتضاعف الضغط على المؤسسة العسكرية والسياسية، لتجد نفسها في مواجهة تحدٍ خطير: كيف يمكنها مواصلة الحرب وهي تفقد تدريجياً ثقة جنودها وصلابتهم النفسية؟






