تشهد الساحة اللبنانية تصعيدًا سياسيًا لافتًا مع تلويح «حزب الله» باللجوء إلى الشارع في مواجهة رئيس الحكومة نواف سلام، على خلفية رفضه ربط المسار اللبناني بالمفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران.
ويأتي هذا التصعيد في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع تحركات إقليمية ودولية قد تعيد رسم توازنات المنطقة، ما يطرح تساؤلات جدية حول دوافعه وتداعياته على الداخل اللبناني.
وتحذر مصادر سياسية من أن اندفاع الحزب نحو التصعيد الشعبي قد يفتح الباب أمام توترات داخلية، خصوصًا في العاصمة بيروت، التي تُعدّ ساحة هشة لأي احتكاك سياسي أو مذهبي، في ظل مناخ مشحون أصلاً.
الشارع كورقة ضغط
بحسب مصادر وزارية، فإن التحركات التي يقودها مناصرون لـ«حزب الله» في الشارع، رغم نفي الحزب دعوته الرسمية إليها، تعكس حالة “غليان” داخل بيئته، اعتراضًا على قرارات حكومية مفصلية، أبرزها حصر السلاح بيد الدولة داخل بيروت، والانخراط في مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل.
لكن هذه التحركات تثير مخاوف من انزلاق المشهد إلى فوضى سياسية أو حتى صدامات، خاصة مع احتمالات تحرك أطراف مناوئة للحزب دفاعًا عن موقع رئاسة الحكومة، بما يعيد إلى الأذهان مشاهد الانقسام الحاد التي شهدها لبنان في محطات سابقة.
رفض «وحدة المسارين»
يتمحور الخلاف الأساسي حول تمسك الحكومة اللبنانية بفصل مسارها التفاوضي عن المسار الإيراني، وهو ما يرفضه «حزب الله» الذي يرى في ذلك تقويضًا لدوره الإقليمي ومحاولة لعزله عن طاولة التأثير.
وتشير مصادر إلى أن الحزب يعتبر هذا الفصل ضربة استراتيجية، إذ يفقده ورقة ضغط أساسية كان يعوّل عليها لتحسين شروط حليفته طهران، أو على الأقل لضمان موقع غير مباشر في أي تسويات إقليمية قادمة.
في المقابل، يحظى موقف الحكومة بدعم داخلي وخارجي، باعتباره خطوة لتعزيز سيادة القرار اللبناني وفصل مصالح الدولة عن الحسابات الإقليمية.
«أمل» تنأى بنفسها
على خط موازٍ، برز موقف لافت لحركة «أمل» ورئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي فضّل النأي بنفسه عن أي تصعيد ميداني، مؤكدًا رفضه القاطع لاستخدام الشارع كوسيلة لحسم الخلافات السياسية.
ويشدد بري، وفق مصادر مطلعة، على ضرورة الحفاظ على الاستقرار في بيروت، خصوصًا في ظل احتضانها لعدد كبير من النازحين، ما يجعل أي توتر أمني أو مذهبي تهديدًا مباشرًا للنسيج الاجتماعي.
كما يواصل الدفع نحو توحيد الجهود السياسية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، بدل الانخراط في صراعات داخلية قد تصب في مصلحة تل أبيب.
رسائل مزدوجة من «حزب الله»
رغم نفيه الوقوف خلف الدعوات للنزول إلى الشارع، لم يتدخل «حزب الله» لاحتواء هذه التحركات، ما اعتبره مراقبون رسالة مزدوجة: إنكار رسمي يقابله غض طرف عملي، يسمح باستخدام الشارع كأداة ضغط دون تحمل كلفتها السياسية الكاملة.
وتعزز هذه القراءة تصريحات قيادات في الحزب، تحدثت عن “تسونامي شعبي” قد يجرف الحكومة، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الهدف هو مجرد تنفيس الاحتقان، أم تمهيد فعلي لمحاولة إسقاط الحكومة تحت ضغط الشارع.
هل يعود سيناريو 2008؟
تثير هذه التطورات مخاوف من استعادة سيناريوهات سابقة، أبرزها أحداث مايو 2008، حين شهدت بيروت مواجهات دامية بعد تحركات ميدانية للحزب.
غير أن مصادر سياسية تستبعد تكرار هذا السيناريو، مشيرة إلى تغيّر موازين القوى داخليًا وإقليميًا، وتراجع قدرة أي طرف على فرض معادلات بالقوة، في ظل تحولات عميقة تشهدها المنطقة.
حكومة تحت الضغط
ورغم التصعيد، تبدو فرص إسقاط الحكومة عبر الشارع محدودة، إذ يؤكد مراقبون أن المسار الدستوري، عبر البرلمان، يبقى الطريق الوحيد لإسقاطها.
كما أن التفاف قوى سياسية وازنة حول رئيس الحكومة نواف سلام يمنحه غطاءً سياسيًا قويًا، في مواجهة الاتهامات والتصعيد، ما يعزز من صمود حكومته في المرحلة الحالية.
وفي المحصلة، يقف لبنان أمام مفترق طرق حاسم: إما المضي في خيار التسويات الدبلوماسية، رغم تعقيداتها، أو الانزلاق إلى دوامة التصعيد الداخلي، بما يحمله من مخاطر على الاستقرار الهش.
ومع استمرار التجاذبات بين منطق الدولة ومنطق المحاور، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح اللبنانيون في احتواء الأزمة قبل انفجارها، أم أن الشارع سيكون ساحة الحسم في صراع يتجاوز حدود الداخل؟




