مرت 5 سنوات على أبشع حادث تعرض له لبنان، على مر التاريخ، نتيجة انفجار مرفأ بيروت، الذ يعود إلى الواجهة من جديد مع تطور قضائي لافت، يعيد بعض الأمل إلى مسار الحقيقة التي طال انتظارها، وفي خطوة تحمل دلالات قضائية وسياسية في آن واحد، ، رفع مدعي عام التمييز جمال الحجار قرار منع السفر عن المحقق العدلي طارق البيطار، مانحًا إياه الضوء الأخضر للتوجه إلى بلغاريا للمشاركة في استجواب مالك سفينة «روسوس» إيغور غريتشوشكين، الشخصية المحورية في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في تاريخ لبنان الحديث.
التحركات القضائية، جاءت بعد رفض صريح من السلطات البلغارية تسليم غريتشوشكين إلى بيروت، بحجة أن لبنان لم يقدم ضمانات كافية بعدم تطبيق عقوبة الإعدام، وهو شرط أساسي في تعامل المنظومة القضائية الأوروبية مع طلبات التسليم. وبينما بررت صوفيا قرارها بمخاوف قانونية، رأى فيه كثيرون في لبنان مؤشرًا إضافيًا على هشاشة الدولة وقدرتها المحدودة على فرض شروطها في ملف يطال أمنها القومي وعدالة مواطنيها.
لبنان يلجأ للقانون
ومع تحديد موعد لجلسة الاستجواب الأسبوع المقبل، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام محطة جديدة قد تفتح ثغرة في جدار الحقيقة السميك، لاسيما أن غريتشوشكين يُعد حلقة أساسية لفهم كيفية وصول نترات الأمونيوم إلى مرفأ بيروت، وما إذا كان وجودها مجرد صدفة أم نتيجة مسار مُدبر ما يزال غامضًا حتى اليوم.
الرفض البلغاري، استدعى لجوء لبنان إلى خطوة قانونية تمثلت بالطلب من القضاء البلغاري السماح للمحقق العدلي القاضي البيطار بالسفر إلى بلغاريا لاستجواب غريتشوشكين هناك، وهو ما لاقى رداً إيجابياً، وحددت جلسة لاستجواب غريتشوشكين، في الأسبوع المقبل.
حسب الشرق الأوسط، يعتبر غريتشوشكين مسألة مركزية في هذا الملف، بحيث يعول على إفادته لكونه مالك السفينة التي نقلت نترات الأمونيوم من موزامبيق إلى مرفأ بيروت، وأفرغت حمولتها في العنبر «رقم 12» في خريف عام 2013، الذي انفجر في 20 أغسطس (آب) 2020، ولا تزال أسباب الانفجار مجهولة.
هل كان تفريغ حمولة السفينة مقصودًا؟
ويشدد مصدر قضائي لبناني -وفقا للشرق الأوسط – على أن مالك السفينة «يفترض أن تكون لديه معلومات عن الجهة التي اشترت نترات الأمونيوم، وما إذا كانت الشحنة متجهة إلى جورجيا، وأن السفينة رست مؤقتاً في مرفأ بيروت، قبل أن تصاب بخلل كاد يؤدي إلى غرقها، ما استدعى تفريغ حمولتها.. أم أن مجيئها إلى مرفأ بيروت، كان مقصوداً».
أما سبب الرفض فيعود بحسب محاميته إيكاترينا ديميتروفا إلى أن “لبنان لم يقدّم ضمانات بأنه إذا صدر حكم بإعدامه فإن الحكم لن يُنفّذ” – حسب وكالة فرانس برس – علماً أنه يمكن استئناف حكم المحكمة البلغارية في غضون سبعة أيام أمام محكمة الاستئناف في صوفيا والتي سيكون قرارها نهائياً، فيما سيبقى المشتبه به موقوفاً.
وأسفر الانفجار الذي يعد من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ، عن مقتل أكثر من 220 شخصا، وإصابة أكثر من 6500، وألحق أضراراً هائلة في المرفأ ومحيطه. فيما أوقف غريتشوشكين في سبتمبر الماضي (2025) في مطار العاصمة البلغارية صوفيا، وأفادت النيابة العامة بأنه مطلوب من السلطات اللبنانية بتهمة “إدخال متفجرات إلى بيروت، وهو عمل إرهابي أدى إلى مقتل عدد كبير من الأشخاص، وتعطيل آلات بهدف إغراق سفينة”.
التحقيقات تواجه تحديات سياسية وقضائية
وأوقف غريتشوشكين في أيلول/ سبتمبر في مطار العاصمة البلغارية صوفيا، وأفادت النيابة العامة بأنه مطلوب من السلطات اللبنانية بتهمة “إدخال متفجرات إلى لبنان، وهو عمل إرهابي أدى إلى مقتل عدد كبير من الأشخاص، وتعطيل آلات بهدف إغراق سفينة”. لكن محكمة في صوفيا رفضت الطلب اللبناني بتسليمه وأمرت بإطلاق سراحه.
ويمكن استئناف الحكم في غضون سبعة أيام أمام محكمة الاستئناف في صوفيا والتي سيكون قرارها نهائيا. وسيبقى المشتبه به موقوفاً إلى ذلك الحين. وأفادت السلطات اللبنانية بأن سبب الانفجار يعود إلى اندلاع حريق في مستودع حيث تم تخزين أطنان من نترات الأمونيوم لسنوات. وتبيّن أن مسؤولين على مستويات عدة كانوا على دراية بمخاطر تخزين المادة ولم يحركوا ساكنا.
وغرق التحقيق في الانفجار في متاهات المعارك السياسية والقضائية في لبنان. وشملت الشخصيات التي تم استجوابها في إطار القضية رئيس الوزراء اللبناني السابق حسان دياب إضافة إلى مسؤولين أمنيين وعسكريين.
تأثير انفجار المرفأ على لبنان
انفجار بيروت عام 2020، أُطلِق عليه مصطلح بيروتشيما تشبيهًا بما جرى لمدينة هيروشيما جراء الانفجار النووي، هو انفجار ضخم حدث على مرحلتين في العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت عصر يوم الثلاثاء 4 أغسطس 2020 نتجت عنه سحابة دخانية ضخمة على شاكلة سحابة الفطر ترافقت مع موجة صادمة هزّت العاصمة بيروت، مما أدّى إلى أضرار كبيرة في المرفأ وتهشيم الواجهات الزجاجية للمباني والمنازل في معظم أحياء العاصمة اللبنانية بيروت،
وقد أفادت الوكالة الوطنية اللبنانية بأن عدد الجرحى كبير ولا يُحصى، هذا وسجّلت وزارة الصحة اللبنانية تباعًا، مقتل أكثر من 218 شخصًا من بينهم المفقودون الذين لم يعثر لهم على أثر، وإصابة أكثر من 7000 آخرين، وأُعلن عن تضرّر مباشر لنحو 50 ألف وحدة سكنية، وبات نحو 300 ألف شخص بلا مأوى، وقدر محافظ بيروت الخسائر المادية الناجمة عن الانفجار ما بين 10 إلى 15 مليار دولار أمريكي.
امتدت الأضرار إلى آلاف المنازل على بعد كيلومترات من موقع الانفجار، وكشفت الجهات الأمنية اللبنانية أن سبب الانفجار «مواد شديدة الانفجار» كانت مخزنة في المرفأ منذ أكثر من ست سنوات، وليس كما أشيع في الإعلام عن وجود مفرقعات أو أسلحة. وقد أعلن محافظ بيروت مروان عبود العاصمة «مدينة منكوبة»، ووصف الانفجار بأنه «أشبه بالقصف الذري على هيروشيما وناجازاكي»، في حين دعا رئيس الجمهورية ميشال عون المجلس الأعلى للدفاع إلى اجتماع طارئ في قصر بعبدا في مساء 4 أغسطس، لبحث الانفجار، وقد نتج عن الاجتماع توصية رُفعت إلى الحكومة لإعلان حالة الطوارئ، أعلن رئيس الوزراء حسان دياب يوم الأربعاء 5 أغسطس 2020 «يوم حداد وطني».
التأثير الاقتصادي لانفجار المرفأ
كان لبنان قبل الانفجار، يمر بأزمة اقتصادية حادّة، إذ تخلفت الحكومة عن سداد الديون المترتبة عليها، وانخفض سعر صرف الليرة اللبنانية، وارتفع معدل الفقر إلى أكثر من 50%. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأعباء التي خلفتها جائحة كورونا – وقت انتشار الفيروس – جعلت العديد من المستشفيات في لبنان تعاني نقصًا في الإمدادات الطبية، وأصبحت شبه عاجزة عن استقبال المرضى، إضافة إلى عجزها عن دفع أجور الموظفين بسبب ما تشهده البلاد من انهيار اقتصادي.
من جانب آخر، يعد مرفأ بيروت الشريان البحري الرئيسي الذي يغذي لبنان، وهو مرفق حيوي لاستيراد البضائع والمواد الأساسية. ويضم الميناء المملوك للحكومة اللبنانية أربعة أحواض يصل عمقها إلى 24 مترًا، إلى جانب آخر خامس كان تحت الإنشاء، بالإضافة إلى 16 رصيفًا ومنطقة شحن عامة مكونة من 12 مستودعًا، وصوامع لتخزين القمح والحبوب، تعد خزانًا احتياطيًّا إستراتيجيًّا للقمح في البلاد. وتشكل قاعدة بيروت البحرية جزءًا من الميناء.






