بعدما أعلنت دمشق أنها تعمل مع الولايات المتحدة للتوصل إلى تفاهمات أمنية مع إسرائيل حول الجنوب السوري، كشفت مصادر مطلعة أن المحادثات بين الطرفين دخلت مرحلة أكثر سرعة خلال الأسابيع الأخيرة. ووفق ما نقلته وكالة “رويترز”، فإن الهدف من هذه الاتصالات هو التوصل إلى اتفاق أمني محدود يأمل السوريون أن يؤدي إلى انسحاب إسرائيلي من الأراضي التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي خلال الأشهر الماضية. لكن المصادر نفسها شددت على أن الاتفاق، إن تحقق، لن يرقى إلى مستوى “معاهدة سلام شاملة”، بل يظل إطاراً مؤقتاً لتخفيف التوتر الميداني.
واشنطن تدفع نحو إنجاز سياسي
أربعة مصادر ــ ضمت مسؤولين عسكريين وسياسيين سوريين، وعناصر من الاستخبارات، ومسؤولاً إسرائيلياً ــ أكدت أن واشنطن تضغط بقوة من أجل تحقيق تقدم ملموس قبل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك نهاية الشهر الجاري. الإدارة الأمريكية ترى أن أي اختراق، ولو كان محدوداً، سيسمح للرئيس دونالد ترامب بتقديم نفسه باعتباره “مهندس نجاح دبلوماسي جديد في الشرق الأوسط”، على غرار الاتفاقات السابقة التي رعتها واشنطن في المنطقة.
جوهر المقترحات السورية
المقترح السوري يركز على ثلاثة محاور أساسية:
-
انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي سيطرت عليها مؤخراً في الجنوب.
-
إعادة تفعيل المنطقة العازلة المنصوص عليها في اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، بحيث تعود منزوعة السلاح بالكامل.
-
وقف الغارات الجوية والتوغلات البرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
هذه البنود، وفق المصادر، تهدف إلى استعادة الحد الأدنى من التوازن الميداني، وتقليص الاحتكاكات التي باتت شبه يومية في الجنوب السوري.
عقدة الجولان مؤجلة
المحادثات لم تتطرق إلى وضع هضبة الجولان المحتلة منذ حرب 1967. وقال مصدر سوري مطلع على موقف دمشق إن هذا الملف سيُترك “للمستقبل”، معتبراً أن الأولوية الآن هي لوقف التوغلات الأخيرة وإعادة تفعيل خطوط الهدنة السابقة. في المقابل، كان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قد أكد أن أي “تطبيع مع دمشق مشروط بالاحتفاظ بالجولان”، ما يعكس استمرار الخلاف العميق حول القضية الأهم في الصراع السوري–الإسرائيلي.
تردد إسرائيلي وطموح أميركي
ورغم الوساطة الأميركية، أشارت المصادر إلى أن إسرائيل تُبدي تردداً في التخلي عن “المكاسب الميدانية” التي حققتها مؤخراً. مصدر أمني إسرائيلي أوضح أن “تل أبيب لا تقدم الكثير في هذه المرحلة”، لكنه أضاف أن واشنطن تسعى لإقناعها بخطوات جزئية تسمح للرئيس ترامب بعرضها كإنجاز سياسي خلال حضوره اجتماعات الأمم المتحدة. بهذا المعنى، يبدو أن الدافع الأساسي للمحادثات الراهنة لا يرتبط فقط بالتهدئة الأمنية، بل أيضاً بالمكاسب السياسية والإعلامية التي يسعى إليها البيت الأبيض.
قراءة أوسع: تهدئة هشة أم مسار جديد؟
إذا ما تحقق الاتفاق الأمني الجزئي، فإنه سيعكس براغماتية من الطرفين أكثر مما يعكس تحوّلاً جذرياً في مواقفهما. دمشق تريد استعادة الأراضي التي فقدتها أخيراً وتخفيف الضغط على جبهتها الجنوبية، فيما تسعى إسرائيل للحفاظ على خطوط ردعها دون تقديم تنازلات كبرى. أما واشنطن، فترى في هذه المحادثات فرصة لإحياء دورها كوسيط إقليمي، في وقت تتراجع فيه ثقة الحلفاء بقدرتها على إدارة أزمات الشرق الأوسط. لكن يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن لمثل هذه التفاهمات الهشة أن تمهّد لمفاوضات أوسع في المستقبل، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة ستنهار عند أول اختبار ميداني؟






