يظهر المشهد في مدينة غزة خلال الأيام الأخيرة وكأنه يسير نحو مرحلة جديدة من التصعيد، مع إعلان الجيش الإسرائيلي عزمه استخدام “قوة غير مسبوقة” في المدينة، بالتزامن مع توسيع نطاق العمليات العسكرية والقصف الكثيف الذي يطال أحياءً مكتظة بالسكان. هذا التهديد يندرج في إطار استراتيجية عسكرية تهدف إلى السيطرة الكاملة على المدينة التي تعتبرها إسرائيل آخر معاقل حركة حماس، لكنه في الوقت نفسه يفاقم المأساة الإنسانية ويحوّل غزة إلى ساحة نزوح كبرى.
تدمير مربعات سكنية
اللافت في هذه الجولة من العمليات هو الاستخدام المتزايد للمركبات المفخخة في القتال داخل أحياء المدينة، وخاصة في مخيم الشاطئ وحي الشيخ رضوان ومناطق أخرى كتل الهوا وشرق المدينة. هذه التكتيكات تؤدي إلى تدمير مربعات سكنية كاملة، وتسرّع من وتيرة النزوح الجماعي للسكان، الذين يعيشون بين خيارين أحلاهما مر: البقاء تحت نيران القصف أو التوجه جنوباً عبر طرق محفوفة بالمخاطر.
إغلاق شارع صلاح الدين بعد فتحه مؤقتاً لمدة 48 ساعة شكّل محطة مفصلية في مسار النزوح. ورغم الإعلان الإسرائيلي عن فتحه لتسهيل خروج المدنيين، فإن حالة الخوف وعدم الثقة دفعت معظم السكان إلى تجنبه، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية في محيطه، وهو ما أكدته شهادات محلية عن استمرار تفجيرات في شوارع فرعية قريبة. بدلاً من ذلك، ازدادت حركة النزوح عبر شارع الرشيد الساحلي الذي تحوّل إلى شريان حياة وحيد، رغم الاكتظاظ الشديد والمخاطر الإنسانية المترتبة عليه.
فشل المنظومة الدولية
الأرقام تكشف حجم الكارثة: نحو 480 ألف نسمة نزحوا من مدينة غزة خلال أيام قليلة، وفق تقديرات الجيش الإسرائيلي، فيما تشير التقديرات الفلسطينية إلى أن أكثر من مليون شخص كانوا داخل المدينة قبيل بدء العملية الأخيرة. هذا النزوح لا يُقاس فقط بالعدد، بل بغياب أي خطط فعلية لإيواء هؤلاء النازحين الذين يجدون أنفسهم بلا مأوى في ظل الازدحام وانعدام الإمكانيات.
الأوضاع الإنسانية تنذر بانفجار إضافي. وزارة الصحة في غزة سجلت أربع وفيات جديدة بسبب سوء التغذية خلال 24 ساعة فقط، بينهم طفل، لترتفع حصيلة الضحايا جراء المجاعة إلى 435 شخصاً، بينهم 147 طفلاً. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم المعاناة، بل تكشف أيضاً عن فشل المنظومة الدولية في التدخل العاجل لإغاثة السكان. حتى المساعدات التي تصل، مثل الخيام والمواد الغذائية، لا تجد طريقها إلى المحتاجين بسبب عمليات نهب منظم وغير منظم، ما يضاعف المأساة.
واقع غير مسبوق
التصعيد العسكري الإسرائيلي، مقروناً بالتهديد باستخدام قوة أكبر، يضع المدينة أمام سيناريو بالغ القسوة. فمن ناحية، تسعى إسرائيل لإحداث انهيار شامل للبنية المدنية والعسكرية في غزة عبر تدمير الأحياء السكنية ودفع السكان للنزوح، ومن ناحية أخرى، تعجز المؤسسات الدولية عن ضمان الحد الأدنى من المساعدات الإنسانية. هذا التناقض بين الأهداف العسكرية والأثمان الإنسانية يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المدينة وسكانها، خاصة إذا استمرت العمليات على هذا النحو.
في التحليل الأوسع، يظهر أن معركة غزة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحماس، بل تحولت إلى صراع وجودي للسكان المدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر. النزوح الجماعي، المجاعة، وانعدام الأمن يضعون أكثر من مليون فلسطيني أمام واقع غير مسبوق، يهدد ليس فقط حاضرهم، بل مستقبل القطاع بأكمله، حيث تتآكل مقومات الحياة مع كل يوم يمر. وفي غياب تدخل دولي فعال قادر على فرض هدنة إنسانية أو ممرات آمنة، يبدو أن الكارثة الإنسانية مرشحة للتفاقم أكثر فأكثر.






