بعد أيام من الغموض والتوترات السياسية والعسكرية التي خيمت على المشهد الإقليمي، انطلقت أخيراً التحضيرات الرسمية للمحادثات المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران في سويسرا، عقب التوصل إلى تفاهمات أسهمت في إزالة العقبة الأبرز التي حالت دون بدء المفاوضات، والمتمثلة في التصعيد العسكري على الساحة اللبنانية.
واكتمل وصول الوفود المشاركة إلى منتجع بورغنستوك السويسري، حيث تستضيف مدينة زيوريخ جولة جديدة من الحوار الذي يحظى بمتابعة دولية وإقليمية واسعة، في ظل آمال بإحداث اختراق في الملفات العالقة بين واشنطن وطهران، والتي تتجاوز البرنامج النووي لتشمل قضايا الأمن الإقليمي والتوترات الممتدة في الشرق الأوسط.
ضمانات بشأن لبنان شرط إيراني للمشاركة
وكشفت التطورات التي سبقت انعقاد المحادثات عن تمسك الجانب الإيراني بالحصول على ضمانات واضحة تتعلق بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان قبل المشاركة في أي مفاوضات رسمية.
وحتى الساعات الأخيرة قبل مغادرة الوفد الإيراني طهران، شدد مسؤولون إيرانيون على أن استمرار التصعيد في لبنان سيقوض فرص نجاح أي مسار تفاوضي، معتبرين أن معالجة الوضع الميداني تمثل شرطاً أساسياً لتهيئة الأجواء السياسية اللازمة للحوار.
ويعكس هذا الموقف حجم الترابط بين الملفات الإقليمية المختلفة، حيث باتت التطورات الأمنية في لبنان تؤثر بشكل مباشر على مسارات التفاوض بين القوى الدولية والإقليمية.
وقف إطلاق النار يبدد العقبات
وفي تطور ساهم في إزالة حالة الجمود، أفادت تقارير إسرائيلية بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أصدرا تعليمات بوقف إطلاق النار في لبنان، عقب موجة من التصعيد العنيف شهدتها مناطق الجنوب اللبناني وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى.
كما أشارت معلومات إلى تحركات دبلوماسية مكثفة شاركت فيها أطراف خليجية بالتنسيق مع الولايات المتحدة، بهدف تثبيت التهدئة ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع قد تهدد الاستقرار الإقليمي وتنسف فرص استئناف المفاوضات الأميركية الإيرانية.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الجهود الدبلوماسية أوجد المناخ السياسي اللازم لانطلاق المحادثات، بعدما كانت المخاوف تتزايد من تأجيلها أو إلغائها بسبب التصعيد العسكري.
وفدان رفيعا المستوى يقودان المفاوضات
وتعكس تركيبة الوفود المشاركة الأهمية الكبيرة التي توليها واشنطن وطهران لهذه الجولة من المباحثات، فقد وصل الوفد الأميركي برئاسة المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في حين دفعت إيران بوفد يعد من أعلى الوفود السياسية والأمنية والاقتصادية تمثيلاً خلال السنوات الأخيرة.
ويضم الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي، إضافة إلى نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي باقري، وهو ما يعكس استعداد طهران لمناقشة ملفات متعددة تتجاوز الجوانب السياسية التقليدية
ملفات شائكة على طاولة الحوار
ورغم أن تفاصيل جدول الأعمال لم تُعلن بشكل رسمي، فإن التقديرات تشير إلى أن المحادثات ستتناول عدداً من الملفات الحساسة، في مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، إضافة إلى قضايا الأمن البحري والتطورات في لبنان وسوريا والعراق.
كما يتوقع أن تحظى الجوانب الاقتصادية باهتمام خاص، خاصة مع مشاركة محافظ البنك المركزي الإيراني ضمن الوفد المفاوض، ما يشير إلى إمكانية طرح قضايا تتعلق بالتبادل التجاري وتخفيف القيود المالية والعقوبات المفروضة على الاقتصاد الإيراني.
وفي موازاة انطلاق المفاوضات، يواصل الوسطاء الإقليميون والدوليون جهودهم لصياغة آلية تضمن مراقبة وتنفيذ وقف إطلاق النار في لبنان، بما يمنع عودة التوترات العسكرية التي كادت أن تعرقل المسار الدبلوماسي بأكمله.
وتعتبر هذه المساعي جزءاً أساسياً من الجهود الرامية إلى خلق بيئة مستقرة تسمح باستمرار الحوار بين واشنطن وطهران، خصوصاً أن أي انهيار للتهدئة على الجبهة اللبنانية قد يعيد المشهد إلى نقطة الصفر ويقوض فرص التوصل إلى تفاهمات أوسع.
ترقب دولي لنتائج بورغنستوك
وتتجه أنظار العواصم الإقليمية والدولية إلى منتجع بورغنستوك السويسري، حيث ينظر إلى هذه الجولة باعتبارها اختباراً مهماً لقدرة الأطراف المعنية على الانتقال من إدارة الأزمات إلى البحث عن حلول سياسية مستدامة.
وبينما لا تزال التوقعات حذرة بشأن إمكانية تحقيق اختراق سريع، فإن مجرد انعقاد المحادثات بعد تجاوز عقبة لبنان يمثل مؤشراً على وجود رغبة متبادلة في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، وسط إدراك متزايد بأن استمرار التصعيد في المنطقة يفرض تحديات كبيرة على جميع الأطراف.
ويبقى نجاح هذه الجولة مرهوناً بقدرة المفاوضين على تحويل التهدئة الميدانية إلى تفاهمات سياسية قابلة للاستمرار، في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحله تعقيداً وحساسية خلال السنوات الأخيرة.




