تشهد العاصمة الليبية طرابلس منذ أيام توتراً متصاعداً، مع رصد تحركات عسكرية واسعة وانتشار للآليات المسلحة في شوارعها ومحيطها، ما أثار مخاوف من اندلاع جولة قتال جديدة بين الفصائل المتنافسة.
وتتركز المواجهة المرتقبة بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة من جهة، وقوات الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة بقيادة عبد الرؤوف كارة من جهة أخرى، وسط تحذيرات دولية من انزلاق الأوضاع نحو نزاع دموي.
انطلاق الحشد العسكري
بدأت مؤشرات التصعيد قبل نحو أسبوع، مع تداول مقاطع مصورة تُظهر وصول تعزيزات عسكرية من مصراتة والزنتان لدعم حكومة الدبيبة، فيما رُصدت حالة استنفار أمني في المناطق التي تسيطر عليها قوات الردع، مثل مطار معيتيقة الدولي، تاجوراء، سوق الجمعة وعين زارة.
وفي المقابل، أصدر أهالي تاجوراء وسوق الجمعة بيانات تحذيرية، دعوا فيها إلى استنفار عام إذا لم يتم سحب الآليات من العاصمة، معتبرين إدخالها تهديداً مباشراً للسلم الأهلي.
تحذيرات أممية ودولية
بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا حذرت من مغبة الانزلاق نحو العنف، مطالبة الأطراف بضبط النفس واللجوء للحوار.
كما شدد بيان مجموعة العمل الأمنية المنبثقة عن عملية برلين – والتي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وفرنسا وإيطاليا وتركيا والمملكة المتحدة – على ضرورة تسوية الخلافات سلمياً، وتنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه ضمن جدول زمني واضح وخطوات عملية ملموسة.
انقسام داخلي وهيمنة الميليشيات
منذ سقوط نظام القذافي، تعيش ليبيا حالة انقسام سياسي بين حكومتين متنافستين وهما حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس بقيادة الدبيبة والمعترف بها دولياً، والحكومة الموازية في بنغازي برئاسة أسامة حماد والمدعومة من البرلمان والمشير خليفة حفتر.
وفي ظل هذا الانقسام، تسيطر الميليشيات المسلحة على مساحات واسعة من العاصمة، أبرزها قوات الردع، التي تتحكم في مرافق حساسة مثل مطار معيتيقة ومستشفى عسكري وعدد من السجون التي تضم عناصر من تنظيم الدولة.
جذور الصراع مع “الردع”
الأزمة الحالية تعود إلى قرار أصدره الدبيبة في مايو الماضي يقضي بحل جهاز الردع ونقل صلاحياته إلى وزارة الداخلية. القرار قوبل بالرفض، إذ اعتبرته قوات الردع غير شرعي لأنه لم يصدر عن المجلس الرئاسي، الجهة التي أسست الجهاز عام 2018.
وعقب القرار، اندلعت اشتباكات دامية بين جهاز الردع واللواء 444 قتال التابع للحكومة، لتتعمق حالة العداء بين الطرفين.
ويربط محللون توقيت التصعيد بالخطة التي عرضتها المبعوثة الأممية هانا تيته أمام مجلس الأمن في أغسطس الماضي، والتي تدعو إلى انتخابات رئاسية وتشريعية خلال 12 إلى 18 شهراً، وتشكيل حكومة موحدة.
وبحسب الكاتب عبد الستار حتيتة، يسعى بعض الأطراف إلى إفشال مسار الانتخابات عبر افتعال أزمات داخلية، فيما يحاول الدبيبة تقليص نفوذ الميليشيات داخل طرابلس باستقدام قوات من مصراتة، رغم صعوبة مواجهة قوة منظمة بحجم “الردع”.
سيناريوهات مفتوحة على المخاطر
ويحذر خبراء من أن أي معركة جديدة في طرابلس قد تُمهّد الطريق أمام قوات حفتر للتقدم مجدداً نحو العاصمة، كما حدث عام 2019 عندما حاول السيطرة عليها قبل أن يُجبر على التراجع في 2020 بدعم تركي لحكومة الوفاق.
يرى المحلل السياسي محمد الترهوني أن التصعيد العسكري يهدد بإفشال الجهود الأممية، مشيراً إلى أن الدبيبة قد يسعى عبر الضغط العسكري إلى فرض نفسه طرفاً أساسياً على طاولة التفاوض، أو إلى إقصاء خصومه السياسيين.
كما حذر الترهوني من أن نزاعاً جديداً سيؤدي إلى نزوح واسع للسكان وتشريد المدنيين، مؤكداً أن جهاز الردع لن يقبل بشروط الدبيبة المتعلقة بحله، أو الإفراج عن السجناء الإسلاميين، أو التخلي عن السيطرة على مطار معيتيقة.






