اللقاء الذي عُقد في القاهرة بين قيادة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى، يكشف بوضوح حجم المأزق السياسي والأخلاقي الذي تواجهه الحركة. فبينما تتوالى مشاهد الدمار في قطاع غزة، ويزداد نزيف الدماء في صفوف المدنيين، ما زالت «حماس» تُصرّ على التمسك بمواقفها السياسية الصلبة دون إبداء مرونة تُذكر، رغم إدراكها أن الكلفة الإنسانية لحالة الجمود باتت كارثية. إصرار الحركة على رفض تقديم تنازلات تحت ذريعة الحفاظ على “المكتسبات السياسية” يُظهر تناقضاً صارخاً بين خطابها الذي يرفع شعار الدفاع عن الشعب، وممارساتها التي تُغلب فيها مصالحها التنظيمية على المصالح الوطنية العليا.
تمسك حماس بشروطها
المصادر الفلسطينية التي تحدثت عن أجواء اللقاء في القاهرة أشارت إلى أنه كان «مشدوداً»، وهو توصيف يعكس الفجوة بين منطق الواقعية السياسية الذي تبنّته بعض الفصائل، كحركة «الجهاد الإسلامي» التي دعت إلى صفقة شاملة تشمل انسحاب الاحتلال وتبادل الأسرى ووقف المخططات الإسرائيلية، وبين تمسك «حماس» بشروطها القصوى التي لا تتيح مساحة حقيقية لأي اتفاق. هذه المواقف تكشف أن الحركة تتعامل مع القضية باعتبارها رهينة لمعادلاتها الخاصة، وأنها مستعدة لتحويل القطاع إلى ساحة استنزاف مفتوحة، بدلاً من تبني مسار براغماتي قد يخفف عن سكان غزة بعضاً من معاناتهم.
وفي الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي حربه العنيفة على القطاع، ويعلن قادته خطط السيطرة على غزة بالكامل، تكتفي «حماس» بخطاب تعبوي يربط بقاءها في المشهد بالمقاومة المسلحة وحدها، متجاهلة أن استمرار الحرب دون أفق سياسي سيؤدي إلى تدمير النسيج المجتمعي والاقتصادي للقطاع. إن رفضها الممنهج لأي مرونة سياسية يحرم الفلسطينيين من إمكانية خلق نافذة لإنهاء الكارثة الإنسانية، ويمنح إسرائيل ذريعة للاستمرار في سياساتها التدميرية.
الحركة تفقد رصيد المقاومة
تزداد خطورة هذا النهج عندما يُقارن بملف الأسرى الفلسطينيين. ففي حين تُطرح صفقات تبادل كمدخل إنساني وسياسي محتمل، تُصر «حماس» على ربطها بحسابات أوسع تخدم أجندتها التنظيمية، حتى لو كان الثمن استمرار معاناة الأسرى أنفسهم وعائلاتهم. بهذا السلوك، تضع الحركة نفسها في مواجهة ليس فقط مع الاحتلال، بل مع جزء كبير من الرأي العام الفلسطيني والعربي، الذي يرى أن المكاسب السياسية لا معنى لها إن جاءت على أنقاض مدينة مدمرة وشعب منكوب.
إن الانتقادات المتصاعدة، سواء من قوى فلسطينية مشاركة في الحوارات أو من قطاعات شعبية، تُبرز أن «حماس» باتت متهمة بالاستثمار في المعاناة بدلاً من السعي الجاد لإنهائها. وإن استمرار هذا الإصرار على رفض التنازلات سيؤدي في نهاية المطاف إلى فقدان الحركة ما تدّعي أنه «رصيد المقاومة»، ليبقى في ذاكرة الفلسطينيين أنها قدّمت بقاءها التنظيمي على حساب دماء غزة ومستقبلها.






