في خطوة تُعدّ الأولى من نوعها منذ سنوات من التوتر، أعلنت الولايات المتحدة والصين عن اتفاق مبدئي على إنشاء قنوات اتصال عسكرية مباشرة، بهدف الحد من النزاعات المحتملة وتفادي التصعيد في المناطق الحساسة.
لقاء وزير الحرب الأميركي ونظيره الصيني
اللقاء الذي جمع وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث بنظيره الصيني الأميرال دونغ جون في ماليزيا، أعاد إلى الواجهة الحديث عن ضرورة إدارة الخلافات الكبرى عبر الحوار لا بالمواجهة.
وهذه الخطوة جاءت بعد لقاء قمة جمع الرئيسين دونالد ترمب وشي جين بينغ في كوريا الجنوبية، ما يشير إلى أن التفاهم العسكري الجديد ليس معزولًا عن مسار سياسي أوسع.
تبدو هذه القنوات بمثابة “صمام أمان” بين القوتين العظميين، بعد أن وصلت العلاقات بين واشنطن وبكين في السنوات الأخيرة إلى حافة الانفجار، فبحر الصين الجنوبي، وتايوان، والتكنولوجيا المتقدمة، وحرب الرقائق الإلكترونية، كلها ملفات تجعل احتمال التصعيد العسكري واردًا في أي لحظة. ومن هنا، جاء التفكير الأميركي – الصيني في إيجاد خط ساخن دائم يسمح بالتواصل الفوري بين القادة العسكريين، تجنبًا لأي خطأ تكتيكي قد يشعل مواجهة لا تُحمد عقباها.
اللافت أن هذا الإعلان لم يأتِ من فراغ، بل بعد سلسلة من التحركات الدبلوماسية والعسكرية المتبادلة التي سبقتها زيارات رفيعة المستوى بين البلدين خلال العام الحالي، والإدارة الأميركية الجديدة برئاسة ترمب حاولت، رغم خطابها الحاد، أن تبعث برسائل مزدوجة إلى بكين: “الردع أولًا، لكن الحوار مفتوح.” أما الصين، فبدت حريصة على أن تُظهر نفسها كقوة مسؤولة لا ترغب في الحرب، لكنها أيضًا لا تقبل الهيمنة الأميركية في محيطها الإقليمي.
ويؤكد مراقبون أن قنوات الاتصال العسكرية، رغم رمزيتها، قد تكون محدودة التأثير إن لم تترافق مع تفاهمات سياسية أوسع. فالتجارب السابقة بين واشنطن وموسكو أثناء الحرب الباردة تُظهر أن “الخط الساخن” كان مفيدًا في إدارة الأزمات، لكنه لم يمنع نشوب حروب بالوكالة أو سباقات تسلح جديدة. فهل يمكن أن ينجح مع الصين ما فشل مع الاتحاد السوفياتي؟
من سباق القوة إلى إدارة التوازن
العلاقة بين واشنطن وبكين لم تعد مجرد منافسة تجارية أو تكنولوجية، بل تحولت إلى معركة نفوذ شاملة تتقاطع فيها الجغرافيا بالجيواستراتيجيا، فالصين اليوم قوة صاعدة تسعى لتوسيع حضورها في بحر الصين الجنوبي، وفي المقابل ترى واشنطن أن “حرية الملاحة” مبدأ لا يمكن التفريط فيه. تلك المواجهة البحرية المستترة جعلت احتمالات الصدام ترتفع، خصوصًا مع تصاعد الاحتكاكات بين السفن والطائرات في المنطقة.
البيت الأبيض يدرك أن أي حادث عسكري صغير قد يتدحرج إلى مواجهة واسعة. ومن هنا جاءت فكرة “القنوات العسكرية المباشرة” لتكون وسيلة لاحتواء الأزمات في مهدها، فالتجارب المريرة من التاريخ، خاصة أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، أظهرت أن غياب الاتصال الفوري بين القوى الكبرى يزيد من خطر الحرب بسبب سوء الفهم أو الحسابات الخاطئة.
أما بكين، فهي تنظر إلى هذا الاتفاق بوصفه اعترافًا غير مباشر بمكانتها العالمية، وتحرص على أن تكون هذه القنوات أداة لتثبيت مبدأ “الندية” مع واشنطن لا التبعية لها، فالصين التي طورت أسلحة تفوق سرعة الصوت، ووسعت قدراتها البحرية في المحيط الهادئ، تسعى إلى أن تُعامل كقوة عظمى متكافئة، لا كخصم يجب احتواؤه.
وفي الوقت ذاته، هناك مخاوف داخل دوائر القرار الأميركية من أن بكين قد تستخدم هذه القنوات كغطاء لكسب الوقت ومواصلة تطوير قدراتها العسكرية. لذا يتعامل البنتاغون مع الخطوة بحذر، معتبرًا أنها بداية “مرحلة اختبار الثقة” بين الجيشين الأكثر نفوذًا في العالم.
تاريخ من الاتصالات الساخنة
الحديث عن “الخط الساخن” ليس جديدًا في الدبلوماسية الدولية. ففي ذروة الحرب الباردة، أنشأت واشنطن وموسكو خطًا مباشرًا بين الكرملين والبيت الأبيض لتفادي سوء الفهم النووي، واليوم، تحاول واشنطن وبكين استلهام تلك التجربة ولكن في سياق مختلف تمامًا: عالم متعدد الأقطاب، وساحات نفوذ متداخلة، وحروب إلكترونية تضيف بعدًا جديدًا للردع.
في الماضي، كانت الحروب تُدار بالمدافع والصواريخ، أما الآن فالتصعيد قد يبدأ من “كيبورد” في غرفة مظلمة، بهجوم سيبراني يضرب منشأة حساسة، لذلك، فإن الاتصال المباشر بين القيادات العسكرية قد يكون أداة حيوية ليس فقط في الميدان التقليدي، بل أيضًا في فضاء الإنترنت والذكاء الاصطناعي العسكري.
يرى محللون أن هذه الخطوة، مهما كانت محدودة، تمثل “إشارة تهدئة” إلى بقية دول العالم، خصوصًا الحلفاء القلقين من انزلاق العلاقات بين القطبين نحو مواجهة مفتوحة، فاليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية، وحتى الاتحاد الأوروبي، يراقبون بحذر تطور هذا المسار، لأن استقرار العلاقة الأميركية – الصينية يعني استقرار الاقتصاد العالمي.
لكن التحدي الأكبر يكمن في ترجمة النوايا إلى آليات عملية. فهل ستُنشأ غرفة عمليات مشتركة؟ أم سيقتصر التواصل على الاجتماعات الموسمية والاتصالات الهاتفية؟ الإجابة لا تزال غامضة، لكن المؤكد أن هذه المبادرة تُعد اختبارًا حقيقيًا لمدى استعداد الطرفين لوضع “كابح أمان” قبل فوات الأوان.
توازن الخوف بين الشرق والغرب
الولايات المتحدة تخشى من أن تؤدي سياسة الصين التوسعية إلى تغيير قواعد اللعبة في آسيا، فيما ترى بكين أن وجود القوات الأميركية في بحرها الإقليمي تهديد مباشر لسيادتها، وهذا التناقض الجوهري يجعل من “الاتصال العسكري” ضرورة وجودية، وليس مجرد ترف دبلوماسي.
في الوقت نفسه، تسعى واشنطن إلى بناء شبكة تحالفات عسكرية تمتد من اليابان إلى الفلبين وأستراليا، فيما ترد بكين بترسيخ نفوذها عبر “مبادرة الحزام والطريق” التي تمنحها أوراق ضغط اقتصادية وعسكرية، وهنا، يبدو أن الصراع خرج من كونه منافسة إقليمية ليصبح صراعًا على قيادة القرن الحادي والعشرين.
ومن الناحية العملية، يُتوقع أن تركز القنوات العسكرية المقترحة على إدارة الحوادث البحرية والجوية وتبادل المعلومات حول التحركات الخطرة. هذه الخطوة قد تقلل احتمالات الخطأ البشري، لكنها لن تلغي التنافس، فكل طرف يعلم أن الآخر يطوّر قدراته بشكل متسارع، وأن ميزان القوة يتغير مع مرور الوقت.
وبينما يصف بعض المحللين هذا التفاهم بأنه “هدنة تكتيكية”، يرى آخرون أنه بداية مسار طويل نحو “تعايش قسري” بين عملاقين يدرك كل منهما أن الحرب لن تكون في مصلحته. فهل يمكن أن يتحول الخوف المتبادل إلى شكل من أشكال الاستقرار؟
الاتصال المباشر لا يمنع الخطر
يرى الجنرال الأميركي المتقاعد جيمس ماكدوغال، الخبير في شؤون الأمن القومي، أن خطوة إنشاء قنوات اتصال عسكرية مع الصين “إيجابية ولكنها متأخرة”، إذ تأخرت واشنطن في بناء جسور الثقة مع بكين منذ عقدين على الأقل.
ويؤكد ماكدوغال أن ما يثير القلق في واشنطن ليس نوايا الصين فحسب، بل “السرعة التي تنمو بها قوتها العسكرية”، خصوصًا في مجالات الفضاء والتكنولوجيا البحرية.
ويضيف أن البنتاغون يدرك أن أي خطأ في بحر الصين الجنوبي قد يشعل مواجهة قد تتطور إلى نزاع واسع، وبالتالي فإن الاتصال المباشر بين القيادات قد يمنح الوقت الكافي لتفادي القرارات الانفعالية، لكنه يحذر من الإفراط في التفاؤل، قائلاً: “القنوات لا تصنع الثقة، بل تُستخدم حين تنعدم الثقة.”
كما يشير ماكدوغال إلى أن الإدارة الأميركية الحالية تحاول الموازنة بين الردع والانفتاح، وهي معادلة صعبة في ظل ضغط الكونغرس والرأي العام الأميركي الذي يرى في الصين “التهديد الأول للأمن القومي”، لذلك، فإن أي خطوة نحو الحوار تُقابل بانتقادات داخلية قد تُقيد حرية المناورة السياسية للرئيس ترمب.
وفي ختام تحليله، يربط الخبير الأميركي نجاح المبادرة بمدى التزام الطرفين بآلية شفافة لتبادل المعلومات الحساسة، قائلاً: “إذا اكتفت واشنطن وبكين بخط هاتف رسمي دون تنسيق فعلي، فإن المشروع سيبقى رمزيًا لا أكثر.”
الصين لا تسعى لحرب لكنها ترفض الوصاية
من جانبه، يرى البروفيسور لي تشاو، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة تسينغهوا، أن المبادرة الأخيرة تمثل “انتصارًا للدبلوماسية الصينية الهادئة” التي سعت طيلة السنوات الماضية لإقناع واشنطن بضرورة وجود آلية اتصال مستقرة.
ويقول لي تشاو إن بلاده تعتبر الحوار العسكري جزءًا من “إستراتيجية الحذر”، وليست علامة ضعف كما يصورها البعض في الغرب، ويضيف أن بكين تنظر إلى هذه القنوات كوسيلة لحماية مصالحها الإقليمية، خصوصًا في ظل زيادة المناورات الأميركية بالقرب من تايوان، موضحًا أن “الاتصال المباشر يقلل من فرص سوء الفهم لكنه لا يغير موازين القوة”، لذلك، تسعى الصين لأن تكون هذه الخطوط متبادلة ومنظمة، وليست تحت إشراف أو رقابة أميركية.
ويؤكد الخبير الصيني أن بلاده تريد تفادي الانزلاق إلى مواجهة غير ضرورية، لكنها في الوقت ذاته “لن تتنازل عن حقها في إعادة توحيد أراضيها”، في إشارة إلى قضية تايوان، ويضيف أن الصين تدرك أن الحرب ستكون كارثة للطرفين، لذا فهي تفضل “التعايش الحذر” على “المواجهة اليائسة”.
ويختم لي تشاو تحليله بالتأكيد على أن نجاح المشروع يعتمد على استعداد واشنطن للاعتراف بواقع عالمي جديد، حيث لم تعد القوة الأميركية مطلقة كما كانت، بل باتت الصين شريكًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة أمنية أو اقتصادية عالمية.






