في مشهد سياسي يعكس تعقيد المرحلة التي يمر بها لبنان، التقى المبعوث الأميركي توم برّاك اليوم الثلاثاء رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، وذلك بعد يومٍ فقط من تسلم الأخير مذكرة شاملة صادرة عن الرئاسة اللبنانية، تتضمن رؤية الدولة لتطبيق تعهداتها بعد وقف إطلاق النار مع إسرائيل أواخر العام الماضي.
ويأتي اللقاء ضمن جولة للمبعوث الأميركي على كبار المسؤولين اللبنانيين، في ظل تصاعد الضغوط الدولية لضبط الوضع على الحدود الجنوبية، وتفعيل بنود التفاهمات التي أُقرت منذ اتفاق نوفمبر 2024.
مذكرة شاملة.. والسلاح في قلب الخلاف
المذكرة التي تسلمها برّاك أمس من رئيس الجمهورية جوزيف عون، بحضور السفيرة الأميركية ليزا جونسون، تضمنت ما وصفته الرئاسة بـ”خارطة طريق” لتطبيق ما التزمت به الدولة اللبنانية في اتفاق وقف الأعمال العدائية، وهي الوثيقة التي استندت إلى خطاب القسم الرئاسي، والبيان الوزاري، وبيانات حكومية سابقة.
أبرز بنود هذه المذكرة تمثل في بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها “بقواها الذاتية”، وحصر السلاح في يد القوى المسلحة اللبنانية الرسمية، والتأكيد على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى في عهدة المؤسسات الدستورية فقط، وانطلاقة جديدة لإعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي، تحت مظلة دعم دولي وعربي.
برّاك: “نزع سلاح حزب الله” مسألة داخلية ولكن…
رغم اللغة الدبلوماسية التي اعتمدها المبعوث الأميركي، فإن تصريحاته حملت رسائل غير مباشرة حول ملف “سلاح حزب الله”، الذي يمثل جوهر الخلاف بين الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي.
قال برّاك خلال مؤتمر صحافي عقب لقائه رئيس الحكومة نواف سلام، إن “نزع سلاح حزب الله مسألة داخلية للغاية”، لكنه وصف رفض التسليم بهذا السلاح بأنه “مخيّب للآمال”.
وأشار إلى أن واشنطن “لن تتخذ إجراءات عقابية ضد لبنان بسبب هذا الملف، لكنها تراقب عن كثب”، مضيفاً: “القادة اللبنانيون أبدوا تعاونا كبيراً، والإصلاحات الاقتصادية الجارية مثيرة للإعجاب”.
بري.. في عين العاصفة السياسية
اللقاء مع نبيه بري، الذي يُعد من أبرز حلفاء حزب الله، حظي بترقب واسع، خاصة أنه جاء بعد يوم من تسلم بري نفسه للمذكرة التي قد تفتح الباب نحو نقاشات داخلية أكثر حساسية بشأن “حصرية السلاح” والدور الأمني لحزب الله.
ورغم أن البيان الرسمي لم يفصح عن تفاصيل ما دار خلال الاجتماع، فإن مصادر سياسية مطلعة أفادت بأن برّاك نقل رسالة “غير مباشرة” تؤكد دعم واشنطن لأي مسعى سيادي يعزز مؤسسات الدولة اللبنانية، لكنه لم يضع “خطوطاً حمراء” أمام المكونات اللبنانية.
بين المبادرات والوقائع.. الطريق لا يزال شائكاً
رغم الإشارات الإيجابية التي حملتها زيارة المبعوث الأميركي، إلا أن الواقع اللبناني يعكس هشاشة التوازن بين المطالب الدولية، والوقائع المحلية على الأرض، خاصة مع استمرار حزب الله في التمسك بموقفه الرافض لنقاش ملف سلاحه في ظل “الاحتلال الإسرائيلي المستمر” لمزارع شبعا وبعض النقاط الحدودية.
وفي الوقت ذاته، تبرز تحديات أخرى، وهي التباينات السياسية العميقة بين الفرقاء اللبنانيين، وهشاشة الوضع الاقتصادي وارتباطه بالمساعدات الخارجية، والمخاوف من تصعيد جديد في الجنوب في حال انهيار التفاهمات.
اختبار جديد أمام الدولة اللبنانية
زيارة توم برّاك إلى بيروت، ولقاءاته مع الرؤساء الثلاثة، تأتي في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان الحديث، حيث لم تعد التسويات المؤقتة كافية لضمان الاستقرار. فالمجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، يدفع باتجاه “لبنان الدولة” لا “لبنان السلاح”، فيما لا تزال القوى الداخلية تتجاذب بين منطق الدولة ومنطق المحاور، فهل تنجح هذه المذكرة في فتح نافذة للحل، أم أنها ستنضم إلى أرشيف المبادرات غير المكتملة في بيروت؟ الأيام المقبلة وحدها ستجيب.






