تكتسب الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي إلى طهران، والتزامن اللافت مع وصول قائد الجيش ووزير الداخلية الباكستانيين، أهمية استراتيجية تتجاوز نطاق المشاورات الثنائية الاعتيادية. فهذه التحركات الإقليمية المكثفة تدل على مسعى تقوده مسقط وإسلام آباد لإحداث خرق في جدار الأزمة المشتعلة حول مضيق هرمز، وتحويل خطوط التماس البحرية من مربعات الصدام العسكري الوشيك إلى أروقة التفاوض حول قواعد الملاحة. غير أن هذا الحراك الدبلوماسي يصطدم بشرطية إيرانية صارمة وتعنت أمريكي يتراوح بين الوعيد العسكري والضغط المالي، مما يجعل مهمة الوساطة تتقاطع مع حقل ملغوم من الحسابات المعقدة.
شروط طهران وتكتيك الملاحة المشروطة
تبدي طهران مرونة تكتيكية في التعاطي مع سلطنة عُمان باعتبارها شريكاً شاطئياً رئيسياً يتقاسم إدارة الشريان المائي الأكثر أهمية لتجارة الطاقة العالمية. وتستهدف التفاهمات الجارية إيجاد مسارات ترانزيت جديدة أو إعادة ترتيب حركة العبور لتنفيس الضغط الإقليمي. ومع ذلك، حرص وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على إرساء حدود واضحة لهذه المباحثات؛ مشدداً على أن التقدم في صياغة ترتيبات عبور جديدة لا يعني بحال من الأحوال إعادة الفتح الكامل للمضيق أو التراجع عن شروط طهران. وتربط القيادة الإيرانية أي انفراجة كاملة بوفاء واشنطن بتعهداتها وتقديم تعويضات عن إلغاء التفاهمات السابقة، معتبرة أن كارت الملاحة يمثل أداة ردع سيادية لا يمكن التنازل عنها دون مقابل ملموس يحمي اقتصادها وأمنها.

الضغوط الأمريكية وحافة الخطوط الحمراء
في المقابل، تضع التهديدات الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتلويح بالخيار العسكري ضد سلطنة عُمان الوساطة الإقليمية في موضع حرج غير مسبوق. فواشنطن تنظر بريبة إلى أي ترتيبات ملاحية أحادية أو ثنائية تُكرس نفوذ طهران على المضيق أو تفرض واقعاً جديداً لإدارة شريان الطاقة العالمي خارج الإطار الدولي. هذا التلويح الأمريكي المباشر يهدف إلى إغلاق أي ثغرة قد تمنح إيران مكاسب سياسية أو مالية من ورقة الحصار البحري، ويضع السلطنة أمام تحدي التوفيق بين دورها التاريخي كوسيط هادئ وبين تفادي الاحتكاك المباشر مع الإدارة الأمريكية.
البُعد الأمني الباكستاني ومآلات الوساطة
يُضفي الانخراط الباكستاني رفيع المستوى بوفد عسكري وأمني برئاسة قائد الجيش ووزير الداخلية عمقاً أمنياً للتحركات الجارية؛ إذ لا تقتصر رؤية إسلام آباد على التأمين المباشر للحدود الشاطئية والمنافذ المائية في بحر العرب وخليج عمان، بل تهدف أيضاً للعب دور قناة الاتصال الخلفية لقدرتها على مخاطبة الطرفين الإيراني والأمريكي. وتسعى باكستان لمنع سيناريو الانهيار الشامل لحركة التجارة الإقليمية الذي يهدد استقرارها الاقتصادي والأمني المباشر.
يكشف هذا المشهد المتشابك أن معركة مضيق هرمز تجاوزت كونها أزمة عبور سفن لتتحول إلى اختبار إرادات شامل حول رسم معالم النظام الأمني في المنطقة. وبينما تحاول مسقط وإسلام آباد الهندسة لتهدئة مرحلية تجنب المنطقة حرباً مفتوحة، فإن صمود أي اتفاق يظل رهيناً بمدى قدرة واشنطن وطهران على تقديم تنازلات متوازنة توازن بين متطلبات حرية الملاحة الدولية وشروط الردع السيادي الإيراني.






