تتحول رقعة المياه الممتدة من الموانئ القديمة جنوبي البحر الأحمر وصولاً إلى مضيق باب المندب إلى مسرح صراع معقد، يعيد رسم ملامح الجغرافيا البحرية لأحد أكثر الممرات الملاحية حساسية في العالم. ففي ظل تصاعد حدة التوترات الأمنية وتكاثف الحضور العسكري الإقليمي والدولي، لم تعد الرحلات البحرية للصيادين التقليديين مجرد نشاط اقتصادي روتيني لتحصيل القوت اليومي، بل استحالت رهاناً مكشوفاً ومحاطاً بالمخاطر بين البقاء على قيد الحياة والهلاك وسط أمواج محاصرة بعسكرة لا ترحم.
ويكشف الواقع الميداني بالساحل الغربي، ولا سيما في مناطق المخا وذوباب ومركز “واحجة”، عن انكماش قسري ومأساوي لخطوط السير البحرية. فبعد أن كانت الزوارق الخشبية البسيطة تقطع عشرات الأميال نحو أعماق المياه الدولية وصولاً إلى الحدود الإقليمية لدول القرن الأفريقي حيث المصايد الغزيرة، بات الصيادون محصورين في شريط ساحلي ضيق لا يتجاوز ميلاً أو ميلين من الشاطئ. هذا التراجع التكتيكي فرضته مخاوف حقيقية من الوقوع في مرمى النيران الخاطئة، أو الاصطدام بالألغام البحرية العائمة والزوارق المفخخة، فضلاً عن تحليق المسيّرات الحربية وتبادل القصف الصاروخي؛ وهي عوامل حولت البيئة البحرية إلى خط تماس حارق يُفرض فيه حظر الإبحار التلقائي مع كل جولة تصعيد، مما يجعل أوقات الصيد الفعلي لا تتجاوز ساعتين تغرقان في ساعات طوال من المناورة والهروب.

وعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، يكرس هذا الوضع معادلة من الاستنزاف المالي الحاد للقطاع السمكي الذي يمثل عصب الحياة الوحيد لسكّان المناطق الساحلية الوعرة التي تفتقر لأي بدائل تنموية أو زراعية. فالارتفاع الحاد في تكاليف الوقود والزيوت والمؤن التشغيلية للرحلة الواحدة—والتي يتم تمويلها غالباً عبر الاستدانة—بات يقابله عائد زهيد لا يغطي جزءاً يسيراً من الديون المتراكمة، مما أدى إلى شلل أكثر من نصف قوارب الصيد وتوقفها الكلي عن العمل. ويكتمل هذا المشهد الإنساني القاتم بحصيلة ثقيلة من الفقد الإنساني؛ حيث دفعت الكثير من الأسر ثمن هذا الصراع بفقدان أبنائها وتدمر ممتلكاتها البحرية، ليبقى الأطفال على الشواطئ في حالة ترقب دائم لعودة آبائهم سالمين من رحلات لم تعد مضمونة العواقب.
وفي ظل هذا الغياب لتدابير الحماية المؤسسية والصمت الرسمي تجاه تحديد نطاقات إبحار آمنة، يقف القطاع السمكي التقليدي أمام انكسار بنيوي يصعب تعافيه بسهولة. إن تحول البحر الأحمر وباب المندب من شريان حياة ممتد إلى مضمار للمواجهات العسكرية والأمنية يحرم المجتمعات المحلية من حقوقها الأساسية في العيش والأمان، ويضع الآلاف من الصيادين البسطاء في مواجهة مباشرة مع تبعات صراع دولي وإقليمي لم يكونوا يوماً طرفاً فيه، لتبقى قواربهم المتهالكة معلقة بين شواطئ ضحلة شحت منابعها وبحر ممتد تحكمه لغة النار والبارود.






