في العراق، لا يبدو أن معركة حصر السلاح بيد الدولة ستنتهي بقرار حكومي أو بمهلة زمنية محددة. فبينما تستعد بغداد لفرض مسار يقضي بإدماج جميع فصائل الحشد الشعبي ضمن مؤسسات الدولة بحلول 30 سبتمبر/أيلول، تتمسك ثلاث جماعات مسلحة برفضها التخلي عن سلاحها، في موقف يعكس عمق التداخل بين الدولة العراقية والنفوذ الإيراني.
وتضم قوات الحشد الشعبي عشرات الفصائل التي تشكلت أساساً لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، قبل أن تتحول لاحقاً إلى قوة سياسية وعسكرية مؤثرة داخل العراق.
المشكلة اليوم ليست في وجود الحشد بحد ذاته، بل في السؤال الأصعب: من يقرر كيف ومتى يستخدم السلاح؟
ثلاث جماعات ترفض الانصياع
تضغط الحكومة العراقية باتجاه إخضاع جميع الفصائل المسلحة لسلطة الدولة، مع التلويح بعقوبات بحق من يرفض الالتزام.
لكن ثلاثة فصائل موالية لإيران ترفض هذا المسار، وتتعامل مع مسألة نزع السلاح باعتبارها قضية تتجاوز الحدود العراقية.
وتستند هذه الجماعات إلى خطاب يقوم على أنها قاتلت تنظيم الدولة الإسلامية وحمت العراق، وأن امتلاكها للسلاح يمثل جزءاً من منظومة الردع في مواجهة أي تهديد خارجي.
لكن الحكومة العراقية تواجه سؤالاً مختلفاً: إذا كانت الدولة تمتلك جيشاً وقوات أمنية ومؤسسات عسكرية، فما الحاجة إلى بقاء جماعات مسلحة مستقلة عن قيادتها؟
وهنا تبدأ العقدة الحقيقية.
“لن نرد رصاصة واحدة”.. ماذا يعني ذلك؟
العبارة التي تتردد بين مؤيدي بعض الفصائل الرافضة لنزع السلاح تلخص جانباً من المعضلة.
فالجماعات المسلحة لا تريد، وفق هذا الخطاب، الدخول في مواجهة مع الدولة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد التخلي عن السلاح.
المعادلة التي تحاول بعض هذه الفصائل تقديمها هي أنها لن تستخدم السلاح ضد الدولة العراقية، لكنها لن تسلمه للدولة أيضاً.
وهذا يضع بغداد أمام وضع غير مسبوق: سلطة سياسية تطالب باحتكار القوة، وجماعات مسلحة تقول إنها جزء من الدولة لكنها تحتفظ بقرار مستقل بشأن سلاحها.
في قره قوش.. الخوف يتحدث بصمت
بعيداً عن بغداد، تبدو آثار هذه المعادلة أكثر وضوحاً في قره قوش، المدينة ذات الغالبية المسيحية في سهل نينوى.
هناك، لا تحتاج إلى الكثير من الأسئلة حتى تكتشف أن اسم الحشد الشعبي لا يزال يحمل حمولة ثقيلة.
في أحد المقاهي وسط المدينة، يتجنب رئيس المكان الحديث عن الفصائل المسلحة، قبل أن يختصر أحد التجار الموقف بجملة شديدة الدلالة:
“نحن خائفون منهم.”
الجملة لا تتحدث بالضرورة عن سياسة معلنة أو قرار مركزي باستهداف المسيحيين، لكنها تكشف عن شيء آخر أكثر عمقاً: الخوف المتراكم من القوة المسلحة خارج إطار الدولة.
وهذا الخوف لا يرتبط بالمسيحيين وحدهم، بل يمتد إلى الإيزيديين وغيرهم من المكونات التي عانت من سنوات الحرب والانقسام والفوضى الأمنية.
بين الاعتراف بالتجاوزات ونفي القمع المنظم
أحد أعضاء إحدى الفصائل يعترف بوجود ما يسميه “سلوكاً فردياً غير منضبط” تجاه المسيحيين والإيزيديين، لكنه ينفي في الوقت نفسه وجود سياسة منظمة لقمع هذه المجتمعات.
وهذه النقطة تكشف عن مشكلة أكبر.
فبالنسبة للضحايا، لا يكون السؤال دائماً متعلقاً بما إذا كانت هناك أوامر مكتوبة بالانتهاكات، وإنما بما إذا كانت الدولة أو الجماعات المسلحة قادرة على محاسبة من يرتكبها.
فالسلطة التي لا تستطيع ضبط أفرادها تفقد جزءاً من قدرتها على طمأنة السكان، حتى لو لم تكن الانتهاكات جزءاً من سياسة رسمية.
“إنهم إخوة”.. محاولة لطمأنة الأقليات
في بغداد، يحاول قادة الفصائل تقديم صورة مختلفة.
مهدي الكعبي، رئيس المكتب السياسي لحركة النجباء، يقول إن علاقات الحركة مع مختلف مكونات المجتمع العراقي جيدة، ويؤكد أن المسيحيين وغيرهم “إخوة”.
هذا الخطاب يعكس إدراكاً من جانب الفصائل لحساسية الصورة التي تشكلت عنها داخل بعض المناطق العراقية، خصوصاً المناطق التي شهدت صراعات مسلحة متكررة.
لكن تصريحات الطمأنة تصطدم بمشكلة عملية لا يمكن حلها بالكلمات وحدها: من يضمن ألا يتحول السلاح إلى مصدر خوف بالنسبة للمواطن؟
إيران.. الحاضر الغائب
لا يمكن فهم موقف الفصائل الرافضة لنزع السلاح بعيداً عن علاقتها بإيران.
فهذه الجماعات تشكل جزءاً من شبكة نفوذ إقليمية بنتها طهران خلال العقود الماضية، وتملك علاقات سياسية وعسكرية وفكرية وثيقة معها.
لكن بغداد تحاول اليوم إعادة تعريف هذه العلاقة.
فالعراق يريد الاحتفاظ بعلاقاته مع إيران، لكنه لا يريد أن تتحول هذه العلاقات إلى سلطة موازية داخل أراضيه.
وهنا تكمن حساسية الملف: المشكلة ليست فقط في السلاح، وإنما في مصدر القرار الذي يتحكم فيه.
إذا كان السلاح عراقياً، فمن المفترض أن يكون القرار عراقياً أيضاً.
لماذا يصعب على بغداد تنفيذ القرار؟
ظاهرياً، تبدو المسألة بسيطة: الحكومة تصدر قراراً، والفصائل تلتزم.
لكن الواقع العراقي أكثر تعقيداً.
فالحشد الشعبي أصبح جزءاً من البنية الرسمية للدولة، وفي الوقت نفسه تضم تشكيلاته جماعات تمتلك أجنحة سياسية وشبكات اجتماعية وقوة عسكرية مستقلة نسبياً.
كما أن عدداً من هذه الفصائل شارك في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، وبالتالي فإن التعامل معها باعتبارها مجرد جماعات مسلحة خارجة عن القانون لا يعكس كامل الواقع السياسي والعسكري الذي تشكل خلال السنوات الماضية.
لهذا، فإن بغداد لا تواجه مجرد عملية نزع سلاح، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة، والحشد، والفصائل، وإيران.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد 30 سبتمبر
الموعد المحدد لن يكون مهماً فقط بسبب نهايته الزمنية، بل بسبب ما سيحدث في اليوم التالي.
فإذا التزمت الفصائل، ستكون بغداد قد قطعت خطوة مهمة نحو إعادة احتكار السلاح.
أما إذا رفضت، فستجد الحكومة نفسها أمام خيارات صعبة: التفاوض، أو فرض عقوبات، أو استخدام أدوات الدولة لإجبار الجماعات المسلحة على الانصياع.
لكن الخيار الأخير يحمل مخاطر كبيرة.
فأي مواجهة مباشرة بين الحكومة وفصائل مسلحة تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً قد تفتح جبهة داخلية في وقت يحاول فيه العراق الحفاظ على استقراره وسط منطقة مضطربة.
معركة على شكل الدولة العراقية
في النهاية، يبدو ملف نزع سلاح الفصائل أكبر من مجرد خلاف حول البنادق والصواريخ.
إنه نقاش حول طبيعة الدولة نفسها.
هل يكون العراق دولة تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية واحدة، وتخضع جميع القوى المسلحة لقرارها؟
أم يبقى نموذجاً تتعايش فيه الدولة الرسمية مع جماعات مسلحة تمتلك نفوذاً وسلاحاً وقراراً سياسياً خاصاً؟
الفصائل تقول إنها تحمي العراق، وإن سلاحها ضروري في مواجهة الأخطار.
أما الحكومة فتريد أن تقول إن زمن تعدد مراكز القوة يجب أن ينتهي.
وبين الطرفين، تقف مدن ومكونات عراقية مثل قره قوش، التي لا تبحث عن خطاب سياسي كبير بقدر ما تبحث عن إجابة بسيطة على سؤال يومي:
من يحمينا عندما يكون السلاح خارج يد الدولة؟
وقد يكون هذا السؤال، أكثر من أي موعد حكومي أو بيان سياسي، هو الاختبار الحقيقي لعملية إعادة بناء الدولة العراقية.






