في وقت يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أكثر المراحل دموية وتعقيداً منذ اندلاع الحرب، فتحت منظمة العفو الدولية ملفاً آخر يتعلق بالانتهاكات المرتكبة داخل القطاع، متهمة حركة حماس بتنفيذ عمليات قتل خارج نطاق القضاء وإعدامات بإجراءات موجزة بحق أشخاص اتُّهموا بالتعاون مع إسرائيل أو بالإضرار بالأمن والنظام العام.
وقالت المنظمة إنها حققت في تسع حالات إعدام، معتبرة أن هذه الوقائع تستوجب التحقيق والمساءلة، وداعية حماس إلى وقف هذه الممارسات فوراً.
وتأتي هذه الاتهامات في سياق أمني شديد التعقيد، حيث يعيش أكثر من مليوني فلسطيني وسط حرب مدمرة وانهيار واسع للخدمات الأساسية، في وقت تتعرض فيه المؤسسات المدنية والأمنية في القطاع لضغوط هائلة.
منظمة العفو: الانتهاكات يجب أن توثَّق من جميع الأطراف
وتقول منظمة العفو الدولية إن توثيق الانتهاكات لا ينبغي أن يتوقف عند طرف واحد في الحرب.
وقالت نادية بوهلين، المتحدثة باسم المنظمة، إن الانتهاكات التي يرتكبها طرفا الصراع يجب توثيقها، في إشارة إلى الجيش الإسرائيلي من جهة وحماس من جهة أخرى.
وترى المنظمة أن المدنيين الفلسطينيين وجدوا أنفسهم عالقين بين مستويين من العنف: العمليات العسكرية الإسرائيلية من جهة، والإجراءات الأمنية التي تنفذها سلطات حماس ضد أشخاص تشتبه في تعاونهم مع إسرائيل أو تهديدهم للنظام العام من جهة أخرى.
لكن وضعاً كهذا، بحسب المنظمة، لا يمكن أن يتحول إلى مبرر لتعليق القواعد الأساسية لحماية الحق في الحياة والمحاكمة العادلة.
تسع حالات إعدام تحت المجهر
ركز تحقيق منظمة العفو على تسع حالات قالت إنها تمثل عمليات إعدام بإجراءات موجزة.
وبحسب المنظمة، فإن الضحايا كانوا من الأشخاص الذين اتُّهموا بالتعاون مع إسرائيل أو بارتكاب أفعال اعتبرتها السلطات التابعة لحماس تهديداً للأمن.
وتستند المنظمة كذلك إلى تقرير للأمم المتحدة نسب 60 حالة من العنف الجسدي الخطير أو القتل إلى جماعات مرتبطة بحماس.
وتقول العفو الدولية إن هذه الوقائع لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد إجراءات أمنية، لأن قتل الأشخاص المشتبه بهم من دون محاكمة عادلة أو ضمانات قانونية يشكل انتهاكاً خطيراً للحق في الحياة وللقواعد الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
حماس تتحدث عن استعادة الأمن
في المقابل، تبرر سلطات حماس الإجراءات الأمنية بأنها تأتي في إطار محاولة إعادة فرض النظام العام داخل قطاع غزة، الذي تعرض لانهيار واسع بفعل الحرب الإسرائيلية المستمرة.
وهذا التبرير يطرح سؤالاً شديد الحساسية: إلى أي مدى تستطيع سلطة الأمر الواقع استخدام الظروف الاستثنائية والحرب لتبرير إجراءات استثنائية بحق السكان؟
بالنسبة لمنظمة العفو الدولية، الإجابة واضحة: الحرب والانهيار الأمني لا يمنحان أي جهة حق تنفيذ إعدامات خارج نطاق القضاء.
فالاشتباه بالتعاون مع طرف معادٍ، مهما كانت خطورته، لا يعني تلقائياً ثبوت الجريمة، ولا يلغي حق المتهم في الدفاع عن نفسه والخضوع لمحاكمة تتوافر فيها الضمانات الأساسية.
تحقيقات داخلية.. ومطالبة بمحاسبة حقيقية
وتقول حماس إنها فتحت تحقيقات داخلية في بعض الوقائع، لكن منظمة العفو الدولية تقول إنها لم تجد ما يثبت أن المسؤولين عن عمليات القتل خضعوا فعلياً للمحاسبة.
وهنا تبرز المشكلة الأساسية التي تطرحها المنظمة: هل يمكن أن تكون الجهة المتهمة بالانتهاكات هي نفسها الجهة التي تحقق فيها وتحاسب المسؤولين عنها؟
لذلك تدعو منظمة العفو إلى إجراء تحقيقات مستقلة ونزيهة في جميع حالات القتل، وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة.
غزة بين الحرب الخارجية والانتهاكات الداخلية
لا تأتي هذه الاتهامات في فراغ.
فقطاع غزة يعيش تحت وطأة حرب أدت إلى انهيار واسع في البنية التحتية والخدمات الصحية، وتسببت في نزوح جماعي وأزمة إنسانية عميقة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الأمن الداخلي أكثر هشاشة، وتزداد قدرة الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة على استغلال حالة الفوضى.
لكن في الوقت نفسه، فإن انهيار مؤسسات الدولة وسيادة القانون لا يعني اختفاء حقوق الإنسان.
بل على العكس، تؤكد منظمة العفو أن الظروف الاستثنائية تجعل حماية المدنيين وضمان المحاسبة أكثر أهمية، لا أقل.
بين حماية الأمن وحماية الحق في الحياة
تكشف القضية عن واحدة من أكثر المعضلات تعقيداً في الحرب على غزة: كيف يمكن مواجهة التجسس والتعاون مع قوة معادية من دون تحويل الاتهام إلى حكم بالإعدام؟
فالعمل الأمني قد يكون ضرورياً في ظروف الحرب، لكن المنظمة تؤكد أن ذلك لا يلغي الحق في المحاكمة، ولا يسمح بتنفيذ أحكام الموت بصورة ميدانية أو خارج إطار القضاء.
وفي المقابل، فإن تجاهل الانتهاكات التي ترتكبها أي جهة داخل القطاع قد يؤدي إلى ترسيخ منطق الإفلات من العقاب، وهو ما يضر بالضحايا والمجتمع الفلسطيني على حد سواء.
المحاسبة لا تعني مساواة المسؤوليات
وتشدد منظمة العفو على توثيق الانتهاكات التي يرتكبها جميع أطراف النزاع.
لكن توثيق الانتهاكات لا يعني بالضرورة مساواة المسؤوليات السياسية أو العسكرية بين الأطراف، بل يعني إخضاع كل واقعة للمعايير القانونية نفسها: من قُتل؟ كيف قُتل؟ من أصدر الأمر؟ هل حصل الضحية على محاكمة عادلة؟ وهل جرت محاسبة المسؤولين؟
في النهاية، تقول المنظمة إن حماية الفلسطينيين لا تتعلق فقط بحمايتهم من القصف والعمليات العسكرية، وإنما أيضاً بحمايتهم من القتل التعسفي والاعتقال غير القانوني والانتهاكات التي قد تقع داخل المجتمع نفسه.
وبينما تستمر الحرب الإسرائيلية وتزداد الكارثة الإنسانية في القطاع، تضع هذه الاتهامات حماس أمام اختبار آخر: هل تستطيع فرض الأمن من دون تحويل الأمن إلى سلطة فوق القانون؟
فالعدالة، وفق المنطق الذي تطرحه منظمة العفو، لا تتوقف عند انتهاء الحرب، ولا تبدأ فقط عندما تتوقف الأسلحة؛ بل يجب أن تكون جزءاً من حماية المدنيين حتى في أكثر الظروف اضطراباً.






