يعيش الفلسطينيين في الضفة الغربية، واقعًا بالغ القسوة، إذ تحولت رحلة عائلية عادية في منطقة تل الرميدة بمدينة الخليل إلى مأساة إنسانية موجعة، بعدما أنهت رصاصة حياة الرضيع سام أبو هيكل، البالغ من العمر سبعة أشهر، وأصابت والديه داخل مركبتهم.
الحادثة التي أثارت حالة من الحزن والغضب، لا تبدو معزولة عن سياق أوسع من التصعيد الميداني والاعتداءات المتكررة التي تشهدها الأراضي الفلسطينية، في ظل تزايد عمليات إطلاق النار والاقتحامات واعتداءات المستوطنين، مأساة “سام” تعكس الوجه الإنساني المؤلم لصراع يدفع المدنيون، وخاصة الأطفال، أثمانه الباهظة، فيما تتواصل التحذيرات من تداعيات هذا التصعيد على حياة الفلسطينيين ومستقبلهم.
عنف وقتل شبه يومي
في مشهد بات يتكرر بشكل شبه يومي في الضفة الغربية، تأتي هذه الحادثة لتضاف إلى سلسلة طويلة من الاعتداءات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة، حيث تتداخل الوقائع الميدانية بين عمليات إطلاق نار واعتداءات على مركبات مدنية، واقتحامات واشتباكات متفرقة، في سياق يتصاعد بوتيرة لافتة خلال الأشهر الأخيرة، وفق ما توثقه مصادر محلية وتقارير حقوقية.
العائلة كانت داخل مركبتها تسير ببطء في المنطقة، قبل أن تتوقف عند مشاهدتهم قوة عسكرية إسرائيلية على مقربة منهم. وأضاف أنه قام فورًا برفع يديه عن المقود لإظهار أن المركبة مدنية وبداخلها أطفال، فضلا عن أن السيارة كانت متوقفة أو شبه متوقفة وقت الحادث. حسب تصريحات والد الطفل، فهد أبو هيكل، في تقرير وكالة شهاب.
الأب المكلوم كشف عن أن جنديًا أطلق النار بشكل مباشر تجاه المركبة دون أي تحذير مسبق، مشيرًا إلى أن الرصاصة اخترقت الزجاج الأمامي وأصابته في يده، ثم واصلت داخل السيارة لتصيب زوجته وطفله الرضيع. وقال إن الرضيع سام، البالغ من العمر سبعة أشهر، أُصيب بجراح خطيرة أدت إلى استشهاده لاحقًا، وفق ما أعلنته وزارة الصحة الفلسطينية. بشكل مفاجئ.
لحظات الموت داخل سيارة
من جانبها، قالت جدة الطفل، فريال أبو هيكل، التي كانت برفقة العائلة داخل المركبة، إن جنودًا “إسرائيليين” كانوا على مسافة قريبة من السيارة تُقدَّر بنحو عشرة أمتار، وإن إطلاق النار تم بشكل مفاجئ ودون أي إنذار مسبق. وأضافت أن العائلة كانت تتحرك بشكل طبيعي وببطء في الطريق، قبل أن تتوقف المركبة، مشيرة إلى أنها اعتقدت في البداية أن الصوت كان تحذيريًا، قبل أن يتضح أن السيارة كانت الهدف المباشر لإطلاق النار.
وأكدت أن الجنود غادروا المكان بعد الحادث دون تقديم أي مساعدة للمصابين. وبحسب روايتها، فقد سادت حالة من الصدمة داخل السيارة عقب إطلاق النار، حيث بدأت الزوجة بالصراخ بعد إصابتها، فيما أصيب الأب والطفل داخل المركبة، قبل أن تصل لاحقًا طواقم طبية وتنقل المصابين إلى المستشفى.
وقالت مصادر طبية في مستشفى الخليل الحكومي إن الرضيع سام أبو هيكل وصل إلى المستشفى وهو في حالة حرجة للغاية، بعدما أُصيب بجراح خطيرة جرّاء إطلاق نار مباشر على مركبة العائلة، قبل أن يُعلن الأطباء لاحقًا عن استشهاده متأثرًا بإصابته، فيما وُصفت إصابة والديه ما بين المتوسطة إلى الخطيرة.
وداع مؤلم وملاحقة قانونية ودولية
تؤكد العائلة أنها، رغم ما حدث، لن تفكر في مغادرة تل الرميدة التى تتعرض منذ سنوات لمحاولات استيطانية متواصلة للسيطرة عليها وطمس معالمها التاريخية، في ظل وجود مستوطنة “تل الرميدة – رمات يشاي” التي أُقيمت في ثمانينيات القرن الماضي، إضافة إلى بؤرة استيطانية جديدة أُقيمت في يوليو/تموز الماضي على أراضٍ تعود لعائلة أبو هيكل تحديداً.
وتوضح الجدة أن العائلة تعيش تحت ضغط يومي متواصل، لكن تمسكها بالبقاء لم يتغير، مشيرة إن ما جرى لن يمر دون حساب، مؤكدة أن “دماء حفيدها لن تذهب هدرًا”، وأن العائلة ستواصل ملاحقة المسؤولين قانونيًا ودوليًا، مع إصرار واضح على البقاء في الأرض رغم الألم والضغط المستمر. وداع جديد وفي مشهد بالغ القسوة داخل المستشفى، ظهر والد الطفل وهو يودّع ابنه الرضيع للمرة الأخيرة، في لحظات صمت ثقيل امتزجت فيها الصدمة بالألم، بينما كانت الأم تتلقى العلاج داخل أقسام الطوارئ ولا تزال على قيد الحياة.
في سياق ميداني متصاعد يعكس اتساع رقعة العنف في الضفة الغربية، قال رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، مؤيد شعبان، في التقرير الشهري للهيئة، إن قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين نفَّذوا ما مجموعه 1659 اعتداءً خلال شهر مايو (أيار) الماضي، في استمرار لما وصفه بنهج ممنهج من الاعتداءات بحق الشعب الفلسطيني وممتلكاته وأراضيه.
إرهاب المستوطنين يجتاح مدن وقرى الضفة
أكد شعبان أن اعتداءات المستوطنين بلغت مستويات متصاعدة، وشكّلت استمرارًا لما وصفه بذروة الإرهاب الذي يستهدف القرى والتجمعات البدوية الفلسطينية بشكل متكرر. وأضاف أنه، وفق معطيات الهيئة، فقد قُتل فلسطينيان خلال الشهر الماضي في سلفيت ورام الله على يد مستوطنين، لترتفع الحصيلة منذ مطلع عام 2026 إلى 17 فلسطينيًا، في سياق اعتداءات تتواصل دون توقف في مختلف مناطق الضفة الغربية.
وأوضح شعبان، في تقريره الشهري، أن جيش الاحتلال نفَّذ 1108 اعتداءات خلال الفترة ذاتها، فيما سجّل المستوطنون 551 اعتداءً، في مؤشر على اتساع نطاق الانتهاكات وتعدد أطرافها على الأرض. وبيّن أن هذه الاعتداءات لم تأتِ على نمط واحد، بل تنوّعت في أشكالها وحدّتها، حيث شملت العنف الجسدي المباشر بحق المواطنين، واقتلاع الأشجار، وإحراق الحقول الزراعية، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، إضافة إلى الاستيلاء على الممتلكات، وهدم المنازل والمنشآت الزراعية، في مشهد يطال مختلف جوانب الحياة اليومية للفلسطينيين.
وتزامن ذلك مع تصاعد لافت في اعتداءات المستوطنين خلال الأيام الأخيرة، حيث شهدت مناطق متفرقة من الضفة الغربية هجمات متكررة استهدفت القرى والتجمعات السكانية. هجوم مباغت وسُجِّل من بين هذه الاعتداءات ما وقع في بلدة حوارة جنوب نابلس، حيث بدأ المستوطنون هجومًا مباغتًا وحاصروا فلسطينيين، قبل أن تتطور الأحداث إلى اشتباكات في المكان، وفق ما أفادت به مصادر محلية.




