مع تزايد الهجمات الأوكرانية داخل العمق الروسي، تتجه موسكو إلى تشديد خطابها السياسي والعسكري، معتبرة أن الضربات الأخيرة لا تسرع نهاية الحرب كما ترى كييف وحلفاؤها، بل تدفع الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيدًا واتساعًا. وفي المقابل، تعتقد الولايات المتحدة أن نقل المعركة إلى الداخل الروسي قد يفرض ضغوطًا جديدة على الكرملين ويغير موازين الصراع.
وبين هاتين الرؤيتين، تبدو الحرب الأوكرانية وكأنها تدخل مرحلة جديدة، لم تعد تقتصر على خطوط الجبهة، بل أصبحت تشمل العمق الاستراتيجي للطرفين، مع ارتفاع المخاوف من اتساع رقعة المواجهة.
موسكو: الأمن يبدأ من توسيع الجبهة
يرى الكرملين أن الضربات التي تستهدف منشآت داخل روسيا تمنح الجيش مبررًا لتوسيع ما يسميه “المنطقة الأمنية” داخل الأراضي الأوكرانية. وبحسب المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف، فإن كل هجوم جديد على البنية التحتية الروسية سيدفع موسكو إلى توسيع عملياتها العسكرية، معتبرًا أن التصعيد الأوكراني يطيل أمد الحرب بدل أن يفتح الطريق أمام تسوية سياسية.
ويعكس هذا الخطاب تحولًا في المقاربة الروسية، إذ لم تعد موسكو تكتفي بالدفاع عن المناطق التي تسيطر عليها، بل تربط أمنها الداخلي بإنشاء نطاقات عازلة أوسع داخل الأراضي الأوكرانية، وهو ما قد يعني استمرار العمليات الهجومية خلال المرحلة المقبلة.
واشنطن ترى فرصة للضغط
على الجانب الآخر، تبدو القراءة الأمريكية مختلفة. فالرئيس دونالد ترامب اعتبر أن تصعيد الضربات الأوكرانية قد يساعد في إنهاء الحرب عبر زيادة الضغوط على موسكو، بينما أشار وزير الخارجية ماركو روبيو إلى أن الدفاعات الجوية الروسية تواجه تحديات متزايدة في التعامل مع الهجمات بعيدة المدى.
وتستند هذه الرؤية إلى أن استهداف العمق الروسي يرفع كلفة الحرب على الكرملين، ويجبره على توزيع موارده العسكرية بين حماية الجبهة والدفاع عن المدن والمنشآت الحيوية، وهو ما قد يضعف قدرته على مواصلة العمليات الهجومية داخل أوكرانيا.
لكن موسكو ترفض هذا التقدير، معتبرة أن واشنطن تبني سياساتها على حسابات خاطئة قد تؤدي إلى تصعيد غير محسوب.
الناتو في قلب المواجهة السياسية
ولم يقتصر التصعيد على الميدان العسكري، بل امتد إلى الخطاب السياسي بين روسيا وحلف شمال الأطلسي. فقد انتقد الكرملين الالتزامات الجديدة التي أعلنها الحلف لدعم أوكرانيا، معتبرًا أنها تعكس استعدادًا أوروبيًا لمواجهة طويلة مع روسيا، وليس مجرد دعم دفاعي لكييف.
وترى موسكو أن استمرار تدفق الأسلحة الغربية وتوسيع برامج التدريب والدعم العسكري يجعل دول الحلف طرفًا مباشرًا في الصراع، حتى وإن لم تشارك بقواتها على الأرض.
في المقابل، يؤكد حلف الناتو أن دعمه لأوكرانيا يهدف إلى تعزيز قدرتها على الدفاع عن أراضيها وردع أي توسع روسي جديد، نافيًا وجود نية للدخول في مواجهة مباشرة مع موسكو.
حرب تتغير قواعدها
تكشف التطورات الأخيرة أن الحرب الأوكرانية تدخل مرحلة تختلف عن السنوات السابقة. فبعد أن كانت المعارك تتركز في شرق وجنوب أوكرانيا، أصبحت الهجمات بعيدة المدى والطائرات المسيّرة عنصرًا رئيسيًا في الصراع، بما يسمح لكل طرف بنقل الضغوط إلى العمق الاستراتيجي للطرف الآخر.
ومع كل هجوم جديد، تتراجع فرص العودة السريعة إلى المفاوضات، بينما تزداد احتمالات استمرار حرب الاستنزاف التي تعتمد على إنهاك القدرات العسكرية والاقتصادية بدل تحقيق انتصار حاسم.
هل يطيل التصعيد الحرب أم يقرب نهايتها؟
يبقى الخلاف الجوهري بين موسكو وواشنطن قائمًا حول سؤال واحد: هل يؤدي تكثيف الضربات إلى دفع روسيا نحو التفاوض، أم يدفعها إلى توسيع الحرب؟
فبينما تعتقد الولايات المتحدة أن زيادة الضغط العسكري قد تغير حسابات الكرملين، ترى روسيا أن الرد على هذه الضغوط سيكون بتوسيع العمليات وفرض وقائع جديدة على الأرض. وبين هذين التصورين، تبدو الحرب الأوكرانية بعيدة عن أي تسوية قريبة، فيما يواصل كل طرف الرهان على أن الوقت يعمل لمصلحته أكثر مما يعمل لمصلحة خصمه.






