أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، يوم الثلاثاء، أن المملكة المتحدة تعتزم الاعتراف رسميًا بدولة فلسطين في شهر أيلول/سبتمبر المقبل، ما لم تُقدم إسرائيل على “خطوات حيوية” من شأنها تهدئة الوضع في قطاع غزة وتثبيت أسس حل الدولتين.
هذا الإعلان غير المسبوق في صراحته من مسؤول بريطاني بهذا المستوى، يعكس تحوّلًا واضحًا في خطاب لندن التقليدي تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كما يضع حكومة بنيامين نتنياهو في مواجهة ضغوط متصاعدة من العواصم الغربية، لا سيما بعد إعلان فرنسي مماثل قبل أيام.
اجتماع طارئ وحزمة شروط لإنقاذ حل الدولتين
الإعلان جاء عقب اجتماع طارئ دعا إليه ستارمر ظهر الثلاثاء، حيث استدعى وزراء حكومته من إجازاتهم الصيفية لبحث التطورات الدراماتيكية في غزة. وأكد بيان صادر عن مكتبه أن رئيس الوزراء أبلغ الحاضرين بأن بريطانيا ستُقدم على خطوة الاعتراف في حال لم تتخذ إسرائيل إجراءات ملموسة في غضون أسابيع.
ومن بين هذه الإجراءات المطلوبة، بحسب البيان، وقف شامل لإطلاق النار في قطاع غزة، والإعلان صراحة عن رفض ضم الضفة الغربية، إلى جانب التزام سياسي واضح بعملية سلام تؤدي إلى قيام دولتين على حدود متفق عليها. وأضاف ستارمر: “قلت دائمًا إننا سنعترف بدولة فلسطينية عندما يكون لهذا الاعتراف أثر فعلي على عملية السلام، وحان الآن وقت التحرك”.
قراءة بريطانية جديدة للصراع
الخطوة البريطانية لا تنفصل عن سياق أوسع تشهده أوروبا، يتمثل في تآكل صبر العواصم الغربية تجاه سياسات الحكومة الإسرائيلية، خصوصًا بعد التصعيد الدموي المستمر في غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. كما يأتي هذا التوجه بعد تصريحات للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أعلن فيها أن باريس ستعترف بدولة فلسطين، لتكون بذلك أول دولة من مجموعة السبع تتخذ هذه المبادرة.
من منظور حكومة ستارمر، فإن الاعتراف ليس فقط تصحيحًا تاريخيًا لتوازن موقف لندن تجاه القضية الفلسطينية، بل هو أيضًا محاولة لضبط المسار التفاوضي باتجاه حل الدولتين، بعدما بات هذا الحل مهددًا بالتآكل تحت وقع التوسّع الاستيطاني والانقسام الفلسطيني المستمر.
رد فعل إسرائيلي غاضب: اعتراف “يكافئ الإرهاب”
لم تتأخر تل أبيب في الرد على التحرك البريطاني، حيث اعتبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن الخطوة “مكافأة لحركة حماس”، وادّعت أنها تقوّض جهود التوصل إلى وقف إطلاق نار في غزة. كما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية أن ستارمر أجرى اتصالًا هاتفيًا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإبلاغه مباشرة بالموقف البريطاني، في خطوة يُنظر إليها على أنها تنذر بتوتر دبلوماسي غير مسبوق بين لندن وتل أبيب.
بالنسبة لإسرائيل، فإن أي اعتراف بدولة فلسطينية خارج إطار التفاوض الثنائي، يُعد تجاوزًا للخطوط الحمراء، ويعني – من منظورها – تقويضًا للنفوذ الغربي في أي تسوية مستقبلية.
ماذا بعد الاعتراف؟ فرص وتحديات
إذا مضت بريطانيا في تنفيذ ما لوّحت به، فإن المشهد الدولي سيشهد سابقة قد تدفع دولًا أوروبية أخرى إلى حذو المسار ذاته، خاصة في ظل التحولات السياسية في أوروبا والضغط الشعبي المتزايد من الرأي العام الرافض للحرب في غزة.
لكن في المقابل، تبقى فعالية الاعتراف رهينة برد الفعل الإسرائيلي والفلسطيني، ومدى قدرة حكومة ستارمر على التوفيق بين اعتراف سياسي طموح وواقع ميداني شديد التعقيد. فالمعضلة الحقيقية تكمن في غياب شريك فلسطيني موحد، وانقسام الشرعيات بين الضفة الغربية وغزة، فضلًا عن تدهور الثقة بين أطراف الصراع.
هل تجرؤ لندن على كسر التابوه؟
تاريخيًا، لطالما اتسم الموقف البريطاني بالتردد في الانحياز الواضح لأي طرف في الصراع، على الرغم من الإرث الثقيل لوعد بلفور ومسؤوليات لندن التاريخية تجاه فلسطين. وإذا ما نفذت بريطانيا تهديدها بالاعتراف، فإنها تكون قد دخلت مرحلة جديدة من دورها في الشرق الأوسط، تحاول فيها تصحيح انطباع عقود من الانحياز الصامت لإسرائيل.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل تملك لندن فعليًا الإرادة السياسية لمواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية؟ أم أن إعلان ستارمر سيبقى مجرد ورقة ضغط دبلوماسية، تُستخدم مؤقتًا قبل العودة إلى مربع الحذر التقليدي؟






