ترى مجموعة الأزمات الدولية في تقريرها أن سوريا، بعد نحو عام من سقوط بشار الأسد وصعود قيادة جديدة إلى السلطة في دمشق، تعيش مفارقة حادّة: نجاحٌ خارجي لافت في إعادة تأهيل النظام الجديد دوليًا، يقابله هشاشة خطيرة في الداخل، خاصة على مستوى الأمن والعلاقة مع الأقليات والمناطق الطرفية.
تُشير المجموعة إلى أن الاستقبال الحار للرئيس أحمد الشرع في الأمم المتحدة ثم في البيت الأبيض، وتخفيف العقوبات الغربية، وشطب “هيئة تحرير الشام” من لوائح الإرهاب الأمريكية والبريطانية، كلها تعكس قدرة السلطة الجديدة على بناء شرعية خارجية واسعة، بدعم من قوى إقليمية مثل السعودية وقطر وتركيا. لكنّها تضيف في المقابل أن هذه النجاحات الدبلوماسية تخفي ثغرات أمنية بنيوية، تجلّت بوضوح في موجتي العنف الكبيرتين في الساحل والوسط في مارس/آذار 2025، وفي السويداء في يوليو/تموز من العام نفسه.
وتعتبر مجموعة الأزمات الدولية أن فظائع مارس في المناطق ذات الكثافة العلوية، ثم مجزرة السويداء وما أعقبها من تدخل إسرائيلي مباشر، عمّقت شعور الأقليات – خصوصًا العلويين والدروز – بأن الدولة الجديدة لا تحميهم على قدم المساواة مع غيرهم، بل إن بعضهم بات يرى في دمشق تهديدًا محتملًا لا حاميًا. وتشير إلى أن التسريح الجماعي لعشرات الآلاف من عناصر الأجهزة الأمنية السابقة، ومعظمهم من العلويين، من دون بدائل اقتصادية أو مسارات دمج، خلق خزانًا من الرجال المسلحين والعاطلين عن العمل، تحوّل تدريجيًا إلى قاعدة تجنيد لحركات التمرّد المناهضة للنظام الجديد.
وتلفت المجموعة إلى أن إخفاق الحكومة المؤقتة في فرض احتكار منضبط لاستخدام القوة شكّل خيطًا ناظمًا في الأزمتين. فالفصائل المندمجة رسميًا في الجيش والأمن العام – من بقايا هيئة تحرير الشام، مرورًا بالفصائل الإسلامية الأخرى والجيش الوطني السابق – احتفظت عمليًا بهياكلها واستقلاليتها، وتصرفت في كثير من الأحيان من تلقاء نفسها، ما جعل التدخلات الأمنية الحكومية عنيفة وغير منضبطة، تُفاقِم الأوضاع بدل تهدئتها. وترى أن مشاهد المواكب المسلحة وإطلاق النار العشوائي في القرى والأحياء المختلطة، خاصة ذات الأغلبية العلوية، غذّت شعورًا بالتهديد الوجودي ودفعت مزيدًا من الناس إلى أحضان المتمردين.
وتُبرز مجموعة الأزمات الدولية أن التوتر الطائفي المتراكم منذ سنوات الحرب الأهلية لم يُعالَج، بل أعيد إنتاجه بأشكال جديدة: قطاعات واسعة من السوريين تحمّل العلويين مسؤولية جماعية عن جرائم النظام السابق، فيما يشعر العلويون بأنهم مُستهدفون اقتصاديًا وأمنيًا؛ والدروز، الذين حاولوا لفترة طويلة الحفاظ على نوع من الحياد والتفاهم مع المركز، انتهى بهم الأمر إلى اعتبار هجمات الساحل والسويداء دليلًا على أن دمشق الجديدة ليست أقل خطرًا على وجودهم من النظام القديم. وتضيف أن هذا المناخ انعكس أيضًا في الشمال الشرقي، حيث ترى شرائح واسعة – من مؤيدي الإدارة الذاتية وخصومها على السواء – في أحداث السويداء تحذيرًا من أي إعادة دمج متسرعة في دولة لا تُبدي ضمانات واضحة.
وتحذّر المجموعة من أن استمرار هذا النمط – نجاح خارجي وإخفاق داخلي – يهدّد العملية الانتقالية برمّتها. فكل جولة عنف جديدة، وكل فشل في حماية الأقليات أو محاسبة المنتهكين، يعمّق القناعة لدى مكونات مختلفة بضرورة الاحتفاظ بالسلاح، والبحث عن حماية خارجية، سواء عبر قوى إقليمية أو دولية. وترى أن ذلك يُقوّض إمكان إعادة دمج شمال شرق سوريا سياسيًا وأمنيًا، ويجعل من السويداء والساحل ونقاط التماس الأخرى بؤرًا مرشحة لانفجارات جديدة.
وتوصي مجموعة الأزمات الدولية القيادة السورية الجديدة بمجموعة خطوات هيكلية عاجلة، في مقدمتها: فرض سيطرة حقيقية على جميع الوحدات المندمجة في الجيش والأمن العام؛ تجنيد عناصر محلية لمراقبة مناطقهم والاستفادة من معرفتهم المجتمعية؛ إعادة فرز بعض ضباط الشرطة السابقين غير المتورطين في جرائم جسيمة للاستفادة من خبرتهم؛ وتشديد الانضباط والمحاسبة على القوات التي ارتكبت تجاوزات في الساحل والسويداء، بما يشمل فتح تحقيقات ذات مصداقية ومحاكمات علنية لمرتكبي الانتهاكات من جميع الأطراف.
كما ترى أن نجاح الانتقال السياسي يرتبط أيضًا بتوسيع المشاركة في الحكم وإنهاء احتكار دائرة ضيقة من قادة هيئة تحرير الشام السابقة لمفاصل القرار. وتدعو إلى إشراك أوسع للأقليات، والتيارات العلمانية والليبرالية، ومنظمات المجتمع المدني – خاصة في المناطق العلوية والدرزية – في رسم السياسات، بما يخفف من شعور الإقصاء الذي يغذي العنف. وفي الاقتصاد، تشدد على ضرورة دعم المانحين لرواتب القطاع العام والخدمات الأساسية، بما يسمح بتوجيه موارد الدولة الشحيحة إلى بناء جهاز أمني أكثر مهنية، بدل ترك الفراغ الاقتصادي يدفع الشباب إلى أحضان التهريب والمجموعات المسلحة.
وتخلص مجموعة الأزمات الدولية إلى أن الطريق أمام سوريا ما بعد الأسد لا يزال طويلًا وشائكًا: فلا يكفي أن تُصفَّق دمشق في الأمم المتحدة ليُعلن نجاح الانتقال. النجاح الحقيقي – في نظرها – يبدأ عندما يشعر العلوي والدرزي والكردي والسنّي بأن الدولة الجديدة تحميه ولا تستثنيه، وأن السلاح لم يعد شرطًا للبقاء، بل عبئًا يمكن التخلّص منه في إطار منظومة أمنية عادلة وخاضعة للمساءلة.






