تواصل الحكومة العراقية تصعيد حملتها الواسعة لمكافحة الفساد، في واحدة من أكبر العمليات التي تشهدها البلاد خلال السنوات الأخيرة، بعدما أكدت أن الاعترافات التي أدلى بها عدد من المتهمين في قضايا الكسب غير المشروع لن تتوقف عند المتورطين الحاليين، بل ستقود إلى الكشف عن شبكات أخرى تضم شخصيات وأموالاً مرتبطة بملفات فساد معقدة، في خطوة تؤكد إصرار بغداد على توسيع نطاق المحاسبة واسترداد المال العام.
ويأتي هذا التحرك في وقت لا تزال فيه تداعيات حملة المداهمات والاعتقالات الأخيرة تفرض نفسها على المشهد السياسي العراقي، بعدما طالت نوابًا ومسؤولين بارزين، وسط ترقب لما ستسفر عنه التحقيقات خلال الفترة المقبلة.
حساب خاص لإيداع الأموال المستردة
وأكد المتحدث باسم حكومة العراق، حيدر العبودي، أن رئيس الوزراء علي الزيدي أصدر توجيهات مباشرة إلى وزارة المالية بإنشاء حساب خاص تُودع فيه جميع الأموال التي يتم استردادها من المتورطين في قضايا الكسب غير المشروع، بما يضمن الحفاظ عليها وإدارتها وفق الأطر القانونية.
وأوضح أن الحكومة ماضية في تنفيذ التزاماتها الدستورية الرامية إلى حماية المال العام، وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على أداء مهامها، مشيرًا إلى أن استعادة الأموال المنهوبة تمثل أحد أبرز محاور الحملة الحالية لمكافحة الفساد.
اعترافات تكشف أسماء وشبكات جديدة
وأشار العبودي إلى أن التحقيقات لم تعد تقتصر على المتهمين الذين جرى توقيفهم، موضحًا أن الاعترافات التي أدلى بها عدد منهم بدأت بالفعل تقود المحققين إلى أسماء جديدة وشبكات أوسع يشتبه في تورطها بملفات فساد مالي وإداري.
وأضاف أن المعلومات التي يتم جمعها من التحقيقات تشمل تفاصيل تتعلق بحركة الأموال وآليات تمريرها، الأمر الذي قد يفضي إلى فتح ملفات إضافية خلال الفترة المقبلة، وتوسيع دائرة الملاحقات القضائية.
وفي سياق آخر، أكد المتحدث باسم الحكومة أن يوم 21 سبتمبر المقبل سيكون الموعد النهائي لتسليم السلاح غير الشرعي، بالتزامن مع انتهاء مهمة قوات التحالف الدولي وخروجها من العراق.
ويعكس هذا التوقيت، بحسب الحكومة، توجهًا نحو تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، بالتوازي مع جهود مكافحة الفساد وإعادة فرض هيبة القانون.
الزيدي: لا تراجع عن ملاحقة الفاسدين
وكان رئيس وزراء العراق علي الزيدي قد أكد في تصريحات سابقة عزمه الاستمرار دون تردد في ملاحقة الفاسدين واسترداد الأموال العامة، مشددًا على أن الدولة لن تتهاون مع أي جهة أو شخصية يثبت تورطها في قضايا فساد، مهما كان موقعها أو نفوذها.
كما ربط الزيدي بين مكافحة الفساد وتعزيز الأمن الداخلي، مؤكدًا أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل ركيزة أساسية لبناء مؤسسات قوية وقادرة على فرض القانون.
وتأتي هذه التصريحات بعد تنفيذ حملة أمنية واسعة شملت المنطقة الخضراء في بغداد وعددًا من المناطق الأخرى، وأسفرت عن توقيف نحو 67 نائبًا ومسؤولًا عراقيًا، في واحدة من أكبر حملات الاعتقال المرتبطة بملفات الفساد خلال الفترة الأخيرة.
وأثارت هذه الحملة ردود فعل واسعة داخل الأوساط السياسية، خاصة مع اتساع نطاق التحقيقات وتوقعات بصدور قرارات جديدة بحق شخصيات أخرى خلال الأيام المقبلة.
اعترافات مسؤول النفط تشعل التحقيقات
وتشير المعلومات إلى أن معظم هذه الاعتقالات استندت إلى الاعترافات التي أدلى بها عدنان الجميلي، وكيل وزارة النفط لشؤون التكرير، بعد احتجازه الشهر الماضي على خلفية اتهامات تتعلق بالفساد.
وكشفت التحقيقات أن إفادات الجميلي قادت إلى الكشف عن دائرة واسعة من المسؤولين المشتبه بتورطهم في قضايا تتعلق بالمال العام، وهو ما دفع السلطات إلى توسيع حملات المداهمة والتوقيف.
ضبط مليارات الدنانير ومليون دولار
كما أسفرت التحقيقات مع الجميلي عن ضبط مبالغ مالية ضخمة، تجاوزت 67 مليار دينار عراقي، إضافة إلى مليون دولار نقدًا، في تطور وصف بأنه من أكبر عمليات ضبط الأموال المرتبطة بقضايا الفساد في العراق خلال السنوات الأخيرة.
ويرى مراقبون أن استمرار الكشف عن الأموال والمعلومات الجديدة قد يؤدي إلى فتح ملفات أكثر تعقيدًا، ويمنح سلطات العراق فرصة لتعزيز جهودها في تفكيك شبكات الفساد واستعادة الأموال المنهوبة، في وقت تواجه فيه الحكومة اختبارًا حقيقيًا لإثبات قدرتها على تحويل هذه الحملة إلى مسار إصلاحي دائم يعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.






