أضاف مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة 61 شركة إلى قاعدة بيانات الشركات المرتبطة بأنشطة في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية، ليرتفع العدد إلى 214 شركة من 11 دولة، في خطوة أعادت إلى الواجهة الجدل حول مسؤولية الشركات العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي المقابل، رفضت إسرائيل القائمة ووصفتها بأنها “أداة سياسية” تستهدف تشويه سمعة الشركات.
أعلنت الأمم المتحدة الجمعة 25 سبتمبر/أيلول تحديث قاعدة بياناتها الخاصة بالشركات التي لها أنشطة مرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، في ثالث مراجعة رئيسية للقائمة منذ إنشائها عام 2020.
وبحسب مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، شملت المراجعة إضافة 61 شركة، في حين أزيلت خمس شركات من القائمة، ليصل إجمالي الشركات المدرجة إلى 214 شركة تتوزع مقارها بين 11 دولة.
ومن بين الشركات التي لا تزال مدرجة أسماء معروفة عالمياً، بينها Airbnb وBooking.com وMotorola Solutions وTripadvisor.
الأمم المتحدة: الشركات مطالبة بالعناية الواجبة
وقال المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك إن تحديث قاعدة البيانات يمثل تذكيراً للشركات بمسؤولياتها في مجال حقوق الإنسان.
وأضاف أن الشركات مطالبة بإجراء ما يعرف بـ**”العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان”** للتأكد من عدم تورط أنشطتها في انتهاكات أو تجاوزات لحقوق الإنسان.
ولا تعني القائمة، بحسب آلية الأمم المتحدة، أنها تصدر حكماً قضائياً على الشركات المدرجة أو تثبت ارتكابها جرائم، وإنما تحدد شركات خلصت عملية الفحص إلى ارتباط أنشطتها بأحد الأنشطة التي حددها مجلس حقوق الإنسان.
وتشمل هذه الأنشطة، من بين أمور أخرى، المساهمة في بناء المستوطنات أو مراقبتها، وتوفير الخدمات والبنية التحتية المرتبطة بها، إلى جانب أنشطة تتعلق بالأراضي والموارد الطبيعية.
11 دولة على القائمة
رغم أن غالبية الشركات المدرجة مقرها إسرائيل، فإن قاعدة البيانات تشمل أيضاً شركات من دول أخرى.
وتضم القائمة شركات مقرها في كندا والصين وفرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ وهولندا والبرتغال وإسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة.
وفي المقابل، أزالت الأمم المتحدة منذ المراجعة السابقة خمس شركات، بينها شركتان إسبانيتان وشركة من كل من كندا وإسرائيل والبرتغال.
وتشير هذه التغييرات إلى أن القائمة ليست ثابتة، إذ يمكن إضافة شركات أو حذفها بناء على نتائج عملية الفحص التي يجريها مكتب حقوق الإنسان.
214 شركة.. لكن القائمة ليست شاملة
وتعود قاعدة البيانات إلى قرار أصدره مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عام 2016، طلب فيه إعداد قائمة بالشركات المرتبطة بأنشطة تجارية محددة في المستوطنات الإسرائيلية بالأراضي الفلسطينية المحتلة.
ونُشرت القائمة للمرة الأولى عام 2020، قبل أن تخضع لمراجعتين في 2023 و2025.
وكان من المفترض أن يجري تحديثها سنوياً، إلا أن عملية المراجعة لم تتم سوى ثلاث مرات حتى الآن.
كما تؤكد الأمم المتحدة أن القائمة ليست شاملة لجميع الشركات التي قد تكون لها صلات بأنشطة في المستوطنات.
فمكتب حقوق الإنسان لا يفحص جميع الشركات العاملة في المنطقة، بل يراجع الشركات التي ترد بشأنها طلبات ضمن أطر زمنية محددة.
وبحسب البيانات المنشورة، تلقى المكتب طلبات تتعلق بنحو 596 شركة، وتمكن حتى الآن من مراجعة 381 شركة منها.
ما الأنشطة التي تبحث عنها الأمم المتحدة؟
لا تضع الأمم المتحدة الشركات في القائمة لمجرد وجودها التجاري في إسرائيل.
بل تركز عملية المراجعة على مجموعة محددة من الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات.
وتشمل القائمة عشرة أنواع من الأنشطة، من بينها بناء المستوطنات وتوسيعها، وتوفير الخدمات والمرافق، ومراقبة المنشآت، واستغلال الأراضي والموارد الطبيعية، إضافة إلى أنشطة تتعلق بالأراضي الزراعية.
وتقول الأمم المتحدة إن هذه المعايير تستند إلى مسؤوليات الشركات بموجب مبادئ حقوق الإنسان الدولية.
وتأتي هذه المراجعة في ظل استمرار الجدل الدولي حول الوضع القانوني للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
إسرائيل ترفض القائمة
وكما حدث مع الإصدارات السابقة، سارعت إسرائيل إلى رفض قاعدة البيانات.
ووصفت السلطات الإسرائيلية القائمة بأنها “آلية مشوهة”، واتهمت مكتب حقوق الإنسان باستخدامها كأداة سياسية ضمن ما وصفته بحملة لتشويه المؤسسات والشركات.
وقالت بعثة إسرائيل لدى الأمم المتحدة في جنيف إن الشركات المدرجة في القائمة لم ترتكب مخالفات، واعتبرت الإجراء جزءاً من استهداف إسرائيل.
وبذلك يعود الخلاف إلى جوهر المسألة: هل تمثل القائمة آلية أممية لتحديد مسؤوليات الشركات تجاه حقوق الإنسان، أم أداة سياسية ضد إسرائيل؟
الأمم المتحدة تتمسك بالصيغة الأولى، بينما ترفض إسرائيل الثانية بشدة.
لماذا تثير القائمة جدلاً واسعاً؟
تكمن حساسية قاعدة البيانات في أنها لا تتعامل فقط مع الحكومات أو المؤسسات السياسية، بل مع شركات تجارية عالمية تعمل في مجالات السياحة والعقارات والتكنولوجيا والخدمات وغيرها.
وهذا يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول حدود المسؤولية التجارية عندما تعمل الشركات في مناطق تشهد نزاعاً أو احتلالاً.
كما أن وجود أسماء تجارية عالمية في القائمة قد يزيد الضغط على مجالس إدارات تلك الشركات والمستثمرين فيها، خصوصاً مع تزايد اهتمام الأسواق الدولية بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة وحقوق الإنسان.
لكن إدراج شركة في قاعدة البيانات لا يعني، بحد ذاته، صدور حكم قضائي عليها أو ثبوت مسؤوليتها الجنائية.
من 596 شركة إلى 214.. والقائمة مرشحة للتغيير
تكشف عملية التحديث أيضاً أن قاعدة البيانات لا تزال في طور المراجعة.
فمن بين نحو 596 شركة وردت بشأنها طلبات، راجع مكتب حقوق الإنسان 381 شركة حتى الآن، بينما تضم القائمة الحالية 214 شركة.
وهذا يعني أن الأرقام يمكن أن تتغير مع استمرار عمليات الفحص وتحديث المعلومات.
وفي الوقت نفسه، فإن بقاء شركات عالمية معروفة في القائمة، مقابل إزالة شركات أخرى، يعكس اعتماد الأمم المتحدة على عملية مراجعة تستند إلى معايير محددة وليست مجرد قائمة ثابتة بأسماء الشركات المرتبطة بإسرائيل.
ملف الشركات يعود إلى الواجهة
تأتي الخطوة الأممية الجديدة في وقت تتصاعد فيه حدة الجدل الدولي حول المستوطنات الإسرائيلية ومستقبل الأراضي الفلسطينية.
وبينما تؤكد الأمم المتحدة أن هدف القائمة هو تذكير الشركات بمسؤولياتها في مجال حقوق الإنسان، ترى إسرائيل فيها أداة سياسية تستهدفها وتستهدف الشركات العاملة معها.
وبين الموقفين، أصبحت 214 شركة من 11 دولة أمام اهتمام أممي متجدد، في ملف يتجاوز العلاقة التجارية التقليدية ليدخل مباشرة في واحدة من أكثر القضايا السياسية والقانونية حساسية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.






