مع اشتداد حرارة الصيف واستمرار النزوح الجماعي في قطاع غزة، تحول شاطئ البحر إلى الملاذ الوحيد لآلاف العائلات الباحثة عن متنفس يخفف قسوة الحياة داخل الخيام، في ظل انقطاع الكهرباء وشح المياه العذبة.
لكن هذا الملاذ لم يعد آمنًا، إذ بات النازحون يواجهون مخاطر مزدوجة تتمثل في تلوث مياه البحر بمياه الصرف الصحي، إلى جانب ضعف منظومة الإنقاذ البحري نتيجة نقص الكوادر والمعدات.
ويجد سكان القطاع أنفسهم أمام خيارات قاسية تفرضها الحرب وانهيار البنية التحتية، في مشهد يجسد حجم الأزمة الإنسانية والبيئية التي تعيشها غزة.
أبو عودة: نهرب من الحرارة والحشرات إلى البحر
أصبح البحر لـ وائل أبو عودة 48 عامًا، الذي يقيم مع أسرته في مخيم للنازحين بمحاذاة شاطئ غزة، جزءًا من روتينه اليومي، وملاذًا يهرب إليه مع زوجته وأطفاله من واقع الخيام القاسي. فمنذ بداية فصل الصيف، يحرص كل يوم، بعد أداء صلاة العصر، على اصطحاب عائلته إلى الشاطئ، حيث يقضون ساعات متواصلة حتى ما بعد صلاة العشاء.
ويقول إن تلك الساعات تمثل الوقت العائلي الوحيد الذي يستطيعون فيه الابتعاد عن حرارة الخيمة، والحشرات، وضيق المكان، والضغوط التي تفرضها حياة النزوح. ويضيف أن البحر، رغم تلوث مياهه وغياب الخدمات، يمنحهم إحساسًا مؤقتًا بالراحة، قبل أن يعودوا مع حلول الليل إلى خيمتهم، حيث تستأنف المعاناة نفسها. شاطئًا ملوثًا. حسب وكالة شهاب.
وأما أم حمزة طومان 45 عامًا، لم يعد البحر مجرد مكان للاستجمام، بل تحول إلى محطة يومية تهرب إليها من قسوة حياة النزوح التي تضاعفت مع حلول الصيف. ومع ارتفاع درجات الحرارة داخل الخيمة وشح المياه العذبة، تبدأ يومها بالتفكير في موعد الذهاب إلى الشاطئ، حيث تجد مساحة تلتقط فيها أنفاسها، وتمنح أطفالها ساعات من اللهو بعيدًا عن الخيمة الخانقة.
أم حمزة: البحر الملاذ الوحيد من الضغوط وأعباء النزوح
وتقول أم حمزة إن البحر أصبح المتنفس الوحيد لعائلتها، فهو المكان الذي يستطيع أطفالها فيه اللعب بحرية، بينما تستغل وجودها لغسل ملابسهم والاستحمام، في ظل العجز عن توفير كميات كافية من المياه داخل المخيم. وتضيف أن ساعات قليلة تقضيها على الشاطئ تخفف عنها شيئًا من الضغوط النفسية وأعباء النزوح.
البحر الذي يقصده آلاف النازحين يوميًا هربًا من حرارة الخيام، لم يعد بيئة آمنة، بعدما أدى الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية إلى تلوث أجزاء كبيرة من الساحل، فضلا عن أن أكثر من 85% من شبكات المياه والصرف الصحي دُمرت، فيما خرجت ست مضخات رئيسية من أصل ثماني عن الخدمة، الأمر الذي تسبب في تدفق أكثر من 22 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يوميًا إلى البحر، حسب المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا.
أزمة صحية طويلة الأمد
“مهنا” أشار إلى أن هذا الواقع جعل النازحين يقصدون شاطئًا ملوثًا بحثًا عن التخفيف من الحر والاستحمام وغسل الملابس، في وقت تتزايد فيه المخاطر الصحية مع استمرار نقص المياه النظيفة وعجز البلديات عن إصلاح شبكات الصرف.
هذا الملاذ بات يحمل مخاطر صحية وبيئية متفاقمة – حسب تحذير المختص البيئي محمد مصلح – من أن استمرار ضخ مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى البحر يرفع بصورة كبيرة تركيز عناصر مثل الفوسفور والنيتروجين، ما يؤدي إلى ازدهار الطحالب الضارة واستنزاف الأكسجين في المياه، الأمر الذي يتسبب في نفوق الأسماك أو هجرتها.
مصلح أشار إلى أن آثار التلوث لا تقتصر على من يلامسون مياه البحر أثناء السباحة أو الاستحمام، بل تمتد إلى السلسلة الغذائية بأكملها، إذ تتراكم المعادن الثقيلة والملوثات داخل أنسجة الأسماك والكائنات البحرية، قبل أن تنتقل مجددًا إلى الإنسان عبر استهلاكها، وهو ما ينذر بأزمة صحية طويلة الأمد، إلى جانب تزايد مخاطر الإصابة بالأمراض الجلدية والتنفسية والمعوية.
عجز 50% في طواقم الإنقاذ
ينتشر حاليًا 445 منقذًا فقط على امتداد الشريط الساحلي البالغ طوله نحو 33 كيلومترًا، من بيت لاهيا شمالًا إلى رفح جنوبًا، بينهم 300 منقذ يعملون ضمن مشروع مؤقت لا تتجاوز مدته ثلاثة أشهر. حسب معلومات من وزارة الحكم المحلي في غزة.
وتشير البيانات إلى أن موسم الاصطياف يتطلب وجود نحو 800 منقذ لتأمين الشواطئ، ما يعني وجود عجز يقارب 50% في طواقم الإنقاذ، يتزامن مع نقص كبير في المعدات والتجهيزات، في وقت يشهد فيه البحر إقبالًا واسعًا من آلاف النازحين الباحثين عن ملاذ من حرارة الخيام وشح المياه العذبة.






