في خضم المشهد السياسي التركي المليء بالتحولات، يجد حزب الشعب الجمهوري، أقدم أحزاب المعارضة وأكبرها، نفسه في قلب أزمة داخلية غير مسبوقة قد تعيد تشكيل مستقبله السياسي. فالحزب الذي خرج من الانتخابات المحلية في مارس/آذار الماضي منتشياً بانتصار تاريخي على حزب العدالة والتنمية الحاكم، يواجه اليوم مأزقاً قانونياً وسياسياً يهدد زعامته ووحدته الداخلية.
القضية تفجرت بعد دعوى قضائية تطعن في شرعية المؤتمر العام الـ38 الذي انعقد في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وأسفر عن فوز أوزغور أوزيل برئاسة الحزب خلفاً لكمال كليتشدار أوغلو. الطاعنون تحدثوا عن مخالفات في انتخاب المندوبين، ما دفع المحكمة المدنية الابتدائية في أنقرة للنظر في بطلان المؤتمر. وفي حال قضت المحكمة في 15 سبتمبر بـ”البطلان المطلق”، فإن أوزيل وفريقه سيُجمدون عن ممارسة مهامهم، وقد يعود كليتشدار أوغلو مؤقتاً إلى موقع القيادة لحين عقد مؤتمر جديد.
استباقاً لذلك، تحركت قيادة الحزب عبر طلب عقد مؤتمر استثنائي في 21 سبتمبر، وهو ما يُنظر إليه كخطوة تكتيكية لحماية شرعية أوزيل وتفادي سيناريو العودة القسرية لقيادة سابقة لفظها صنّاع القرار داخل الحزب.
إسطنبول بؤرة التوتر
الأزمة لا تقتصر على أنقرة وحدها، إذ شهد فرع الحزب في إسطنبول تطورات مشابهة. فقد قضت محكمة محلية بعزل رئيس الفرع أوزغور تشيليك ومجلسه التنفيذي، وتعيين إدارة مؤقتة من خمسة أوصياء، بينهم النائب السابق جورسال تكين. هذه الخطوة وُصفت من قبل قيادات الحزب بأنها تدخل مباشر يهدف إلى إضعاف الحزب في معقله الانتخابي الأهم.
المفارقة أن بعض المندوبين الذين وقعوا على طلب عقد المؤتمر الاستثنائي انتُخبوا خلال فترة رئاسة كليتشدار أوغلو، ما يعكس تعقيد الصراع الداخلي ويطرح تساؤلات حول ولاءات القيادات الوسطية التي قد تُرجّح كفة أحد الطرفين.
صراع على الشرعية أم استهداف سياسي؟
خطاب الحزب الرسمي يذهب أبعد من مجرد الخلافات الداخلية، إذ يرى أن الأزمة جزء من “تدخلات حكومية” تهدف إلى تقويض المعارضة التي برزت بقوة بعد انتخابات مارس 2024. نائبة رئيس الحزب للشؤون القانونية، غل تشيفتشي، وصفت ما يجري بأنه “مؤامرة تُدار من القصر الرئاسي” مؤكدة أن المؤتمر الاستثنائي المقبل سيكون استفتاء على التعددية والديمقراطية في تركيا، وليس مجرد شأن حزبي داخلي.
وبينما يتهم الحزب السلطات باستغلال القضاء لتقييد نشاطه، يصرّ معارضو أوزيل داخل الحزب على أن المسألة تتعلق بخرق القواعد التنظيمية وتجاوزات في انتخاب المندوبين، ما يضع الأزمة في إطار معركة مزدوجة: داخلية على الشرعية، وخارجية ضد السلطة الحاكمة.
أبعاد أبعد من البيت الحزبي
الأزمة الراهنة تحمل انعكاسات عميقة على مستقبل المعارضة التركية. فـ”الشعب الجمهوري” ليس مجرد حزب تقليدي، بل العمود الفقري لأي جبهة معارضة تواجه حكم الرئيس رجب طيب إردوغان. أي اهتزاز في بنيته الداخلية سينعكس مباشرة على موازين القوى السياسية، خصوصاً بعد أن أثبت قدرته في الانتخابات الأخيرة على هزيمة العدالة والتنمية في كبريات المدن.
إضافة إلى ذلك، فإن الانقسام حول أوزيل وكليتشدار أوغلو قد يعيد طرح سؤال القيادة الكاريزمية داخل المعارضة: هل تحتاج إلى وجه جديد قادر على استثمار زخم الفوز الأخير، أم إلى عودة الزعيم المخضرم الذي يمتلك خبرة طويلة في مواجهة أردوغان؟






