كشفت صور الأقمار الاصطناعية والتحقيقات البصرية عن استمرار عمليات الهدم والتجريف الإسرائيلي المنهجي في جنوب لبنان، رغم انحسار المعارك وتوقف القتال الفعلي. وأظهرت الأدلة امتداد التدمير من مراكز القرى إلى أطرافها ليشمل أحياءً كاملة ومنشآت مدنية وشبكات مياه وأراضٍ زراعية، ما يعرقل عودة أكثر من 270 ألف نازح إلى ديارهم، وسط اتهامات حقوقية بتنفيذ عمليات تهجير قسري وتدمير واسع النطاق يفتقر للضرورة العسكرية.
تفجيرات تلتهم القرى وتدمير شامل للبنية التحتية
أظهر تحقيق مشترك لصحيفة “فايننشال تايمز” ومنظمة “لايتهاوس ريبورتس”، استناداً لصور فضائية لبلدات مثل الخيام والطيبة وبنت جبيل وحداثا، أن عمليات المسح شملت أجزاء واسعة من حدودها البلدية باستخدام التفجيرات المنظمة والجرافات الثقيلة. ويتطابق ذلك مع تحليلات موقع “بيلينغكات” التي أكدت تعرض 46 بلدة على الأقل لدمار واسع ضمن نطاق “الخط الأصفر”، فيما أقر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتدمير كافة المباني في 24 قرية لبنانية، مع تقديرات بتهديم ما بين 15 و20 ألف منزل كلياً.
وبحسب التقديرات الرسمية للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، طال التدمير والأضرار نحو 85 ألف وحدة سكنية، مع ترجيح أن تكون الأرقام الفعلية أعلى بكثير جراء تعذر تقييم 30% من المباني. ولم تتوقف الأضرار عند المنازل، بل امتدت لتدمير ما لا يقل عن 2500 كيلومتر من خطوط وآبار وخزانات المياه، وتفكيك منظومات الطاقة الشمسية، وتفجير الجسور الحيوية على نهر الليطاني، مما شل المرافق الأساسية والخدمية بالكامل.
استهداف القطاع الزراعي والتراث.. وشبهات «جرائم حرب»

تأثر القطاع الزراعي والتراث الحضاري للجنوب بشكل بالغ؛ إذ تشير تقديرات وزارة الزراعة اللبنانية إلى تدمير أكثر من 20% من الأراضي الزراعية والغابات، بما فيها عشرات الآلاف من أشجار الزيتون في منطقة تساهم بنحو 40% من الإنتاج الوطني. كما طال التدمير مواقع أثرية ورومانية ومساجد تاريخية ومقامات تعود للقرنين السادس عشر والتاسع عشر، إلى جانب توثيق استخدام الفوسفور الأبيض فوق مناطق مأهولة، وهو ما وصفت حقوقيون بأنه “هجوم عشوائي محظور”.
وفي وقت تتذرع فيه إسرائيل بضرورة تفكيك بنية حزب الله وتبرر استهداف معدات الإعمار، أكدت منظمة “هيومن رايتس ووتش” عدم وجود أدلة على وجود أهداف عسكرية في مواقع شهدت تدمير أكثر من 360 جرافة وحفارة ومصانع للإسمنت، واصفة بعض الهجمات بأنها “جرائم حرب ظاهرة”. ويحذر حقوقيون من أن حرمان السكان من البنية التحتية ومحاولات منعهم من العودة يُسقط الممارسات الإسرائيلية في خانة العقاب الجماعي والتهجير القسري وفق القانون الدولي.






