أطلقت إيران سلسلة من التحذيرات والتهديدات، بعد يوم من الغارات الإسرائيلية المتكررة التي استهدفت منشآت نووية حساسة في نطنز وأصفهان وآراك. فبينما تترقب طهران ما تصفه بضربة أميركية محتملة، نقلت وكالة “تسنيم” عن مصادر رسمية دعوة مباشرة وجهتها الحكومة الإيرانية إلى جيرانها، تطالبهم فيها بـ”التصدي للأعمال العدائية” التي تُشن انطلاقاً من أراضيهم، في إشارة واضحة إلى العراق والمناطق الكردية المحاذية لحدودها الشمالية.
هذا التصريح يعكس القلق الإيراني المتزايد من احتمال تورط أراضٍ مجاورة في تسهيل عمليات تسلل أو هجمات تنفذها أطراف خارجية، لا سيما مع تصاعد النشاط العسكري على أكثر من جبهة، وغياب أي أفق لحل دبلوماسي في المدى القريب. ويبدو أن طهران لم تكتف بالتحذير العسكري، بل وسّعت نطاق تحركاتها إلى المجال السيبراني والمعلوماتي، حيث بثّ التلفزيون الرسمي دعوة للمواطنين إلى حذف تطبيق “واتساب”، بذريعة أنه يسرّب بيانات شخصية إلى جهات أجنبية، وتحديداً إسرائيل، ما يعكس توجهاً رسمياً لفرض رقابة أوسع على حركة المعلومات داخل البلاد.
التحرك الإيراني لم يقتصر على التصريحات الأمنية، بل تخلله أيضاً تلويح استراتيجي بالغ الخطورة. فقد دعا النائب المؤثر في البرلمان، بنهام سعيدي، إلى النظر بجدية في إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الملاحية العالمية لتصدير النفط، والذي تمر عبره نحو 20% من تدفقات الخام البحرية يوميًا. ورغم أن إيران كثيرًا ما استخدمت هذه الورقة للضغط في أوقات التوتر، إلا أن تكرار الحديث عنها في سياق ضربات إسرائيلية مباشرة، قد يشير إلى مرحلة جديدة من المواجهة متعددة الأوجه.
ويأتي هذا التوتر المتصاعد في وقت تشهد فيه العلاقات الأميركية الإيرانية مزيدًا من التدهور، وسط تصريحات أميركية متكررة عن اقتراب إيران من العتبة النووية، وتصاعد القلق الإسرائيلي من تزايد قدرات طهران على تخصيب اليورانيوم. كما أن غياب آلية تفاوض فاعلة منذ انهيار الاتفاق النووي لعام 2015 جعل الخيارات المتاحة أمام الأطراف جميعها أكثر ميلاً للمواجهة منها للحل.
وبينما تتعثر أي مبادرات لاحتواء التصعيد، يبدو أن إيران تحاول توجيه رسائل مزدوجة: أولاً بتحذير خصومها من اللعب عبر الجبهات الحدودية الهشة، وثانيًا بإظهار استعدادها لاستخدام أوراق ضغط اقتصادية واستراتيجية حساسة، مثل تهديد الملاحة في الخليج العربي. لكن تبني هذا الخطاب، رغم فاعليته الإعلامية، قد يسرّع الاصطدام مع تحالف دولي يراقب عن كثب تطورات المشهد، خصوصًا إذا طالت الهجمات بنى نووية تعدها طهران “خطًا أحمر” لسيادتها.
في ظل هذا التوتر المتصاعد، يصبح مستقبل المنطقة أكثر غموضًا، فيما تبقى الساحة مفتوحة على احتمالات متعددة، تبدأ من التصعيد المحدود، ولا تنتهي بمواجهة أوسع قد تخلط الأوراق الأمنية والسياسية والاقتصادية في منطقة مضطربة أصلًا.






