انتشرت لافتات مجهولة المصدر، على أسوار مقام السيدة رقية في قلب دمشق القديمة، تزامن ذلك مع تسريب مقطع فيديو يكشف أحاديث خاصة للرئيس السابق بشار الأسد ومستشارته لونا الشبل، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات حول دلالات التوقيت ورسائل الجهات التي تقف خلف هذه التحركات.
الواقعتان لهما دلالات سياسية، خاصة أنهما ظهرا تزامنا مع ذكرى سقوط نظام الأسد، الأمر الذي تسبب في حالة من الغليان السياسي والشعبي داخل سوريا، خاصة أن منطقة المقام تُعد من أكثر النقاط حساسية دينياً وأمنياً لارتباطها بالمزارات الشيعية وبتواجد مجموعات موالية لإيران، بينما جاءت التسريبات لتضع القيادة السورية في موقف محرج عبر ما أظهرته من سخرية وانتقادات داخلية تتعلق بالوضع الأمني والعسكري.
لافتات تثير الجدل
الواقعة الأولى، جاءت عندما تداول المرصد السوري لحقوق الإنسان، فيديو يظهر لصق عبارات ولافتات على أسوار مقام السيدة رقية في العاصمة السورية دمشق، وذلك بالتزامن مع إحياء ذكرى سقوط نظام الأسد، ما أثار تفاعلاً واسعاً حول طبيعة الرسائل ودلالاتها في منطقة تُعد أحد أهم المزارات الدينية للطائفة الشيعية في سوريا والمنطقة.
ويقع مقام رقية بنت الحسين بن علي في حي العمارة على مقربة من المسجد الأموي، ولا يفصله عنه سوى نحو 100 متر فقط، كما يجاور مقام رأس الحسين وباب الفراديس في قلب سوق العمارة الدمشقي القديم. ويُعرف المكان منذ عقود بكونه محطة مركزية لزوار العتبات المقدسة من العراق وإيران ولبنان ودول الخليج، إضافة إلى وفود أجنبية تقصده للاطلاع على الطرز الفنية الإسلامية.
بشار يظهر من جديد في سوريا
الواقعة الثانية، كانت بمثابة مفاجئة، عندما ظهر الرئيس السوري العزول بشار الأسد، في فيديوهات انفردت بها قناة العربية، تكشف حوارات خاصة بين “الأسد” ومستشارته السابقة لونا الشبل. وتضم المقاطع سلسلة من المواقف التي يظهر فيها الأسد وهو يعلّق بسخرية على عدد من القضايا الداخلية.
وذكر “الأسد” في أحد التسجيلات مع الشبل إنّه “لا يشعر بشيء” عند رؤية صوره المنتشرة في شوارع المدن السورية. وفي مقطع آخر يتلفظ بعبارة مسيئة عن الغوطة (يلعن أبو الغوطة)، بينما يتناول مع الشبل قضايا سياسية وعسكرية، بينها موقف “حزب الله” الذي قالت عنه الشبل في التسجيل: “تفاخر بقدرته والآن لم نسمع له صوتاً”. كذلك أظهرت فيديوهات أخرى سخرية متبادلة بين الأسد والشبل من مشهد لجنود سوريين، وهم يقبّلون يد الرئيس خلال إحدى المناسبات.
وفي السياق ذاته، كشف موفد “العربية/الحدث” محمود الواوي تفاصيل العثور على الفيديوهات التي تظهر بشار الأسد في الغوطة، موضحاً أن التسريبات وُجدت داخل القصر الجمهوري داخل مظروف يحمل عبارة “سري للغاية”، ويضم أيضاً وثائق شخصية تعود للونا الشبل.
وحسب العربية، أضاف أن بعض الأشخاص عثروا على هذه المقاطع في 8 ديسمبر 2024 بهدف إطلاع السوريين على “الوجه الآخر لبشار الأسد”، مشيراً إلى أن التسريبات أصبحت حديث الشارع السوري بعدما وثقت بالصوت والصورة سخرية الأسد من مآسيهم. من جانبه، قال المحلل السياسي عبدالله الحمد إن تسريبات الغوطة جاءت بعد 24 ساعة فقط من الحديث عن دعم روسي لكمال حسن ورامي مخلوف بهدف إحداث توتر في الساحل السوري، معتبراً أن تسريب فيديوهات بشار الأسد في الغوطة يشكل مؤشراً على وجود صراع داخل الدائرة الضيقة المحيطة به. وفقا للعربية.
من هي لونا الشبل؟
أحدثت الفيديوهات حالة من الزخم، وأثيرت عدة تساؤلات عن “لونا الشبل”، التي ظهرت مع بشار الأسد، لتجيب “المجلة” وتروي قصتها وتفاصيل “قتلها” في يوليو/تموز 2024 واختفاء شقيقها ملهم وزوجته في ابريل/ نيسان بعد قصف اسرائيل قنصلية إيران في دمشق، ونص حوار بين قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني ومدير مكتب الأمن الوطني السوري علي مملوك.
ولدت لونا الشبل في دمشق أول سبتمبر/أيلول 1974 لعائلة درزية، هجرها والدها لخلافات مع أمها نايفة التي كانت تعمل موظفة في حزب “البعث” الحاكم في سوريا، ومدرسة في مدرسة حكومية. قاطعت “لونا” والدها سنوات طويلة حتى وفاته، ذلك قبل وفاتها بسنوات قليلة في يوليو/تموز 2024، وعاشت مع أمها في برزة بريف دمشق وكانت حزبية نشيطة في “طلائع البعث”، التنظيم الشبابي الذي كان تابعا لحزب “البعث” الحاكم.
عملت “لونا” في محل تصميم بطاقات أعراس خلال دراستها اللغة الفرنسية في جامعة دمشق، وتخرجت لتدخل التلفزيون السوري، مقدمة نشرة أخبار، قبل انتقالها إلى “الجزيرة” في أغسطس/آب 2003، حيث تعرفت على زميلها الإعلامي سامي كليب، فتزوجت منه عام 2008 وأخذت الجنسية اللبنانية. تتضارب الأنباء عن كيفية تعرفها على بشار الأسد، بين من يقول إنه تم بواسطة قطرية أو من يقول إن ذلك كان مبادرة شخصية منها. ولدت علاقة خاصة بينهما في عام 2008، وكانت تزور دمشق سراً للقائه، قبل أن تظهر على قناة “دنيا” السورية الخاصة، في ديسمبر/كانون الأول 2011 لتقول إنها استقالت من قناة “الجزيرة” في 5 مايو/أيار 2010 وترغب بوضع “خبراتها” تحت تصرف النظام السوري.
حلم السيدة الأولى
بداية عملها كانت في مكتب الأمن الوطني الذي ترأسه لاحقا اللواء علي مملوك، قبل انتقالها إلى الرئاسة في فبراير/شباط 2012، مسؤولة عن المكتب الإعلامي الذي كانت تديره بثينة شعبان حيث ظهر صراع حاد بينهما لنيل رضا الأسد. عملت لونا ضد شعبان، وأبعدتها عن الأسد، كما أبعدت معظم المقربين منه و”سيطرت” عليه واقتربت من أسماء الأسد. ولعبت دور الوساطة في ملفات عدة بينها لقاءات مطولة مع رئيس المكتب السياسي لـ”حماس” خالد مشعل قبل مغاردته دمشق.
وفقا للمجلة، رفض ماهر قائد “الفرقة الرابعة” في “الحرس الجمهوري”، وشقيق بشار، دخول لونا إلى مجالسه حتى بعد زواجها من عمار ساعاتي عام 2016، علما أن ساعاتي كان من “المحسوبين” على ماهر في جميع أدواره بما في ذلك رئاسته لـ”اتحاد الطلبة” في الجامعات. وحسب مقربين ومعلومات “المجلة”، حذر ماهر كما حذر قاسم سليماني، قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” الإيراني (اغتيل بغارة أميركية في بغداد بداية 2020)، مستشاري الأسد من لونا.
كانت لونا تقول للمقربين منها: “يجب أن أكون السيدة الأولى”، وعندما مرضت أسماء بالسرطان مرة ثانية في مايو/أيار 2024، أضافت: “إن شاء الله بتموت”ومع ذلك، قرّبها الأسد وجعلها مستشارة إعلامية وأصدر مرسوما رئاسيا بمنصبها، وقرّبتها أسماء وجعلتها عضو مجلس أمناء في جامعة “المنارة” الخاصة، قبل أن تغضب عليها وتبدأ في إقصائها مع مطلع عام 2023. تزامن ذلك مع الزلزال في شمال غربي سوريا فبراير/شباط 2023، حيث طلبت أسماء أن تصبح لونا مستشارة “خاصة” لها لا لبشار، ومن هنا بدأت عملية “التحجيم الممنهجة” للونا التي أودت بحياتها.
هل كانت لونا جاسوسة لصالح إسرائيل؟
وفي يونيو/حزيران 2022، أسست مطعماً روسياً فارهاً في منطقة المزة باسم “ناش كراي”، قيل إن الأسد اشتراه لها، ثم قامت ببيعه إلى رجل الأعمال أبو علي خضر بأضعاف ثمنه، تقرباً منها ومن الأسد. من هذا الباب، بدأت أسماء تتساءل عن مصدر ثروتها. وفي المقابل، بدأت لونا تبث أقاويل بأن “الست أسماء” تتحكم بمفاصل الاقتصاد السوري. تلاقت لونا وملهم على كره إيران و”حزب الله” والتنظيمات، وكانت تجاهر بهذا الكره أمام الجميع، ما أثار اتهامات في أوساط النظام وحلفائه الإيرانيين في دمشق، بأنها تعمل “جاسوسة لصالح إسرائيل”
كل أملاك لونا في الخارج كانت مسجلة باسم نسرين محمد زوجة شقيقها ملهم الشبل، الملحق العسكري السابق في بيلاروسيا الذي عاد إلى دمشق بطلب منها وعين بوساطة منها، “ممثلاً عن رئاسة الجمهورية” في مركز البحوث العلمية الذي يتضمن جميع البرامج الحساسة عسكريا في الأسلحة الكيماوية والصواريخ بالتعاون مع إيران وكوريا الشمالية والصين وروسيا.
نهاية الشبل: حادث أم اغتيال؟
تعرضت لونا لحادث سير على طريق الديماس وهي عائدة إلى منزلها في منطقة “قرى الأسد” يوم 2 يوليو/تموز 2024، أدخلها المستشفى وأدى لوفاتها في 6 يوليو. لكن صورة السيارة تظهر أعراضا خفيفة من الأذى على سيارة “بي إم دبليو” المصفحة التي كان يملكها زوجها.
روى شهود عيان لـ”المجلة”، أن سيارة اقتربت منها وضربت بها، وقبل أن يترجل المرافق عمار، هجم عليها شخص مجهول وضربها في منطقة معينة في خلفية الرأس، ما أدى إلى شلل كامل ثم الوفاة. نقلت إلى مستوصف “الصبورة” قرب دمشق، وحضر زوجها عمار ومحمد حمشو رجل الأعمال المقرب من ماهر الأسد، ثم نقلت إلى مستشفى الشامي، حيث حضر غسان بلال معاون ماهر الأسد. وقال أحد الحاضرين: “عندما حاول المرافق عمار الحديث عما جرى معها، تم اعتقاله فوراً وأمام مرأى بقية الحراس والمعاونين”.
أعلنت الرئاسة السورية وقتذاك الوفاة ببيان مقتضب، وخرجت لها جنازة متواضعة، شارك فيها منصور عزام وزير الرئاسة في المستشفى فقط، ولم يخرج إلى مقبرة الدحداح في شارع بغداد بدمشق. كما شارك مدير مكتب الأسد وسيم الدهني، ومدير مكتب أسماء فارس كلاس (الذي كان يعرفها من سنوات)، إضافة لمحمد حمشو وأحمد الكزبري، رئيس اللجنة الدستورية في مجلس الشعب (البرلمان).






