اعتبر معهد IRIS أن الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار الموقّع بين إسرائيل ولبنان في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 قوبلت بإدانة شبه إجماعية من الطبقة السياسية اللبنانية، ولا سيما داخل الحكومة الجديدة التي تسلّمت مهامها في 9 يناير/كانون الثاني. وقال إن الرئيس اللبناني جوزيف عون برز كأشد المنتقدين لاستراتيجية إسرائيل، إذ كان أول مسؤول لبناني يعلّق على الضربات الأخيرة، متهماً تل أبيب برفض تنفيذ القرارات الدولية، وداعياً المجتمع الدولي إلى التدخل «بقوة وجدية» لوقف التصعيد.
وأضاف المعهد أن هذه المواقف السياسية تصطدم بعجز بنيوي تعاني منه الدولة اللبنانية في بسط سيادتها على كامل أراضيها ووضع حد للاعتداءات الإسرائيلية. وأشار إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار نصّ بوضوح على انسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، إلا أن إسرائيل لا تزال تحتفظ بخمسة مواقع تصفها بأنها «استراتيجية»، في وقت تواصل فيه تصعيد غاراتها على أهداف مرتبطة بحزب الله، من الجنوب اللبناني مروراً بالضاحية الجنوبية لبيروت ووادي البقاع، وصولاً إلى شمال البلاد.
ورأى IRIS أن عجز بيروت عن الرد يعود إلى عاملين رئيسيين. يتمثل الأول في ضعف المؤسسة العسكرية اللبنانية، التي تعاني نقصاً حاداً في التجهيزات والموارد البشرية، في ظل أزمة اقتصادية توصف بأنها من الأسوأ في التاريخ الحديث. وأوضح أن التضخم المستمر منذ عام 2019 أدى إلى تراجع متوسط دخل الجندي إلى نحو 60 دولاراً شهرياً، ما يضطر كثيرين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، الأمر الذي يعمّق اعتماد الجيش على المساعدات الخارجية، ولا سيما الأميركية، التي لا تتقاطع بالضرورة مع هدف بناء قوة عسكرية لبنانية فاعلة على الحدود مع إسرائيل.
أما العامل الثاني، بحسب المعهد، فيتعلق بغياب مناخ إقليمي داعم لتمكين الدولة اللبنانية من ممارسة سيادتها. وأشار إلى أن وصول جوزيف عون إلى الرئاسة تطلّب توافقاً بين خمس قوى إقليمية ودولية بعد شغور المنصب لعامين، غير أن دعم هذه «الخماسية» – الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية ومصر وقطر – بدأ يتراجع تدريجياً.
وأضاف IRIS أن العواصم العربية لا تزال مترددة إزاء ما وصفه بتنامي الغطرسة الإسرائيلية في المنطقة، فيما تربط الرياض والدوحة دعمهما لإعادة إعمار لبنان بإحراز تقدم ملموس في نزع سلاح حزب الله ووقف تهريب الكبتاغون عبر الأراضي اللبنانية. وأشار إلى أن مصر، رغم سعيها لإطلاق ديناميكية إقليمية مستفيدة من موقعها الدبلوماسي، لا تملك ثقلاً اقتصادياً أو سياسياً كافياً لإحداث تحول ملموس.
وفي ما يخص فرنسا، قال المعهد إنها، رغم مشاركتها الولايات المتحدة في رئاسة لجنة مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، تفقد مصداقيتها مع استمرار الانتهاكات الإسرائيلية. ولفت إلى أن الرئيس اللبناني عبّر صراحة عن هذا الاستياء خلال لقائه مستشارة الرئيس الفرنسي، مؤكداً أن «الدعم المعنوي» لم يعد كافياً، في ظل واقع تُتخذ فيه القرارات الحاسمة في واشنطن لا في باريس.
وأشار IRIS إلى أن تمديد ولاية قوات «اليونيفيل» شكّل مثالاً واضحاً على هذا الخلل، إذ ربطت فرنسا الانسحاب بتحقيق سيطرة الدولة اللبنانية الكاملة على أراضيها، في حين فرضت الولايات المتحدة شرطاً يسمح بانسحاب مبكر، ما عكس هيمنة القرار الأميركي.
ورأى المعهد أن واشنطن باتت تحدد وتيرة المفاوضات، مع تزايد نفاد صبرها حيال ملف نزع سلاح حزب الله. وأضاف أن إدارة ترامب حدّدت نهاية العام موعداً نهائياً لمصادرة ترسانة الحزب، واقترحت رعاية محادثات ثنائية بين بيروت وتل أبيب، مشيراً إلى إلغاء اجتماعات كانت مقررة مع قائد الجيش اللبناني، في مؤشر على تصاعد الضغوط الأميركية.
وفي ما يتعلق بالقدرات العسكرية لحزب الله، قال IRIS إن تقييمها بدقة يبقى بالغ الصعوبة، إلا أن المؤكد هو أن الحزب تعرّض لضربة قاسية خلال الحرب الإسرائيلية التي استمرت 66 يوماً بين مايو ونوفمبر 2024. وأضاف أن هذه الحرب شكّلت هزيمة عسكرية واضحة للحزب، بلغت ذروتها بهجوم «البيجر» ومقتل أمينه العام حسن نصر الله، ما أدى سياسياً إلى تراجع نفوذه وصعود جوزيف عون إلى الرئاسة.
ومع ذلك، أشار المعهد إلى أن الغارات الأخيرة التي استهدفت قيادات في الحزب أظهرت أن بنيته القيادية لم تُدمّر بالكامل، رغم القيود اللوجستية المتزايدة نتيجة سقوط نظام الأسد وتشديد الرقابة على ميناء بيروت، ما يصعّب عملية إعادة التسلح.
وبشأن نزع السلاح، أوضح IRIS أن الأرقام المعلنة تبقى محل جدل، رغم تأكيد السلطات اللبنانية و«اليونيفيل» إحراز تقدم كبير جنوب نهر الليطاني. لكنه شدد على أن الإشكالية الأساسية لا تتعلق بوتيرة العملية، بل بنطاقها السياسي والاستراتيجي.
وأضاف أن تفسير اتفاق وقف إطلاق النار يظل موضع خلاف: فواشنطن وتل أبيب ترى أن العملية يجب أن تمتد إلى كامل الأراضي اللبنانية، بينما يعتبر حزب الله وحلفاؤه أن القرار الدولي 1701 يقتصر على الجنوب. وأشار إلى أن الحكومة اللبنانية حسمت موقفها بتكليف الجيش وضع خطة تدريجية لنزع السلاح، ما أثار اعتراض الوزراء الشيعة.
وخلص IRIS إلى أن مبدأ حصر السلاح بيد الدولة يحظى بإجماع واسع، لكن الخلاف يتمحور حول آلية التنفيذ وتوقيته. وفي ظل تصاعد الاستقطاب السياسي والطائفي، تبدو قدرة الدولة على الصمود محدودة، خصوصاً مع استمرار التهديدات الإسرائيلية باحتمال التصعيد، في سياق إقليمي ودولي يملك فيه لبنان هامشاً ضيقاً للتأثير على مساره.






