تُسلّط مجلة “ريسبونسيبل ستيتكرافت” في مقال بول آر بيلار الضوء على واقع الصراع في قطاع غزة، مؤكدة أن ما تشهده المنطقة ليس حرباً تقليدية بين طرفين، بل “اعتداء أحادي الجانب” تقوده إسرائيل ضد سكان مدنيين عُزّل في ظل تفوق عسكري مطلق. ووفقاً للتحليل، فإن العمليات الإسرائيلية لم تعد تستهدف فقط حركة حماس، بل اتسعت لتشمل عموم سكان القطاع، في مسعى ممنهج لـ”إبادة جماعية صامتة” يتداخل فيها العقاب الجماعي مع سياسات التجويع والنفي القسري.
تهجير صامت
ويشكك بيلار في النوايا الإسرائيلية المعلنة بشأن تحقيق أهداف أمنية أو القضاء على التهديد العسكري، معتبراً أن الاستراتيجية الحقيقية تقوم على إفراغ غزة من سكانها عبر إرهاب غذائي وتهجير صامت، باستخدام أدوات تبدو إنسانية على السطح – مثل إسقاط المساعدات جواً – لكنها عملياً تُستخدم لتجميل الحصار وتخفيف الضغوط الدولية. ففي حين تمنع القوات الإسرائيلية مئات الشاحنات من دخول القطاع، يُروَّج لإسقاطات جوية محدودة وذات كفاءة منخفضة على أنها مبادرات إنقاذ، بينما هي، في الجوهر، أدوات دعائية تساهم في استدامة الأزمة لا في حلها.
أما استبعاد وكالة الأونروا من مسرح المساعدات، فيراه الكاتب جزءاً من خطة سياسية أشمل، إذ يُنظر إلى الوكالة بوصفها رمزاً للاعتراف الدولي بقضية اللاجئين الفلسطينيين. لذلك فإن الهجوم الإسرائيلي والدعم الغربي لتحجيم دور الأونروا لا ينبعان من اتهامات فنية أو قانونية، بل من محاولة محو المرجع الدولي الأساسي الذي يكرّس حق العودة ووجود اللاجئ الفلسطيني كقضية سياسية لا إنسانية فقط.
على المستوى السياسي، يرى المقال أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يسعى لإنهاء الحرب عبر المفاوضات، بل يماطل عمداً بهدف تحقيق مكاسب داخلية، من أبرزها إطالة أمد بقائه في الحكم وتأجيل محاكمته بقضايا فساد. ولذلك فإن أي مرونة تبديها حماس – كما حصل في مفاوضات قطر الأخيرة – لا تقابل بإيجابية، بل تُقابل بالانسحاب الإسرائيلي والأميركي من طاولة التفاوض، ما يعكس انحيازاً سافراً يُفرغ الوساطات من مضمونها، ويعزز السردية الإسرائيلية التي تبرر العنف تحت غطاء “محاربة الإرهاب”.
تدمير ممنهج لشعب بأكمله
ويُبرز التحليل مفارقة أساسية: فبينما تتهم إسرائيل حركة حماس بسرقة المساعدات، يعجز الجيش الإسرائيلي نفسه عن تقديم دليل واحد على تلك الاتهامات، ما يشير إلى استخدام تلك المزاعم كأداة لتبرير إغلاق المعابر وتضييق الخناق على السكان. كما أن الإصرار على تصوير الفصائل الفلسطينية كسبب رئيسي لاستمرار الحرب يتجاهل حقيقة الاحتلال الطويل، ويُعيد إنتاج روايات سياسية قديمة تهدف إلى إبقاء المشهد الفلسطيني مشرذماً، من خلال إضعاف طرف على حساب آخر، وإدامة مقولة “لا يوجد شريك فلسطيني للتفاوض”.
لا يرى بيلار ما يجري في غزة صراعاً ذا طابع عسكري متوازن، بل “عملية تدمير ممنهجة لشعب بأكمله”، تُدار بأدوات عسكرية وسياسية وإعلامية، وتستند إلى تواطؤ أميركي صارخ، يعكس أزمة أخلاقية في بنية العلاقات الدولية، وليس فقط في ممارسات الاحتلال الإسرائيلي.






