مع حلول شهر رمضان المبارك لعام 2026، يسود اعتقاد شائع بأن الصيام هو “عطلة رسمية” للجهاز الهضمي، وفرصة مثالية للتخلص من مشكلات الانتفاخ والامتلاء. لكن الواقع الطبي يكشف مفارقة غريبة؛ حيث يشكو الكثيرون من انتفاخ مستمر يرافقهم طوال الشهر، رغم تقليل الوجبات أو الالتزام بأطعمة بسيطة. هذا التناقض يفتح الباب أمام تساؤل جوهري يتجاوز محتويات الطبق: هل الطعام هو المتهم الوحيد دائماً؟ الحقيقة، كما توضحها استشارية الجهاز الهضمي بوزارة الصحة المصرية الدكتورة منى البدري، تشير إلى أن المعركة الحقيقية تحدث في كواليس العمليات الفسيولوجية والسلوكيات التي تتغير جذرياً بمجرد تبدل مواعيد الأكل والنوم.
أحد الأسرار الخفية وراء هذا الشعور المزعج يكمن في “فخ السرعة” عند كسر الصيام؛ فبعد ساعات طويلة من الانقطاع، يميل الصائم لا شعورياً إلى تناول الطعام والشراب بوتيرة متسارعة، مما يؤدي إلى ابتلاع كميات كبيرة من الهواء دون إدراك. هذا الهواء المحبوس يتحول سريعاً إلى غازات تتجمع في المعدة، مسببةً ضغطاً وانتفاخاً حتى لو كانت الوجبة خفيفة جداً. ولا يتوقف الأمر عند حدود الفم والمعدة، بل يمتد إلى ما يُعرف طبياً بـ “محور الأمعاء–الدماغ”؛ فالتغيرات الحادة في نمط النوم والسهر الطويل الذي يميز ليالي رمضان 2026 تؤدي إلى اضطراب في الجهاز العصبي المتحكم في الهضم، مما يجعل الأمعاء أكثر حساسية وأقل كفاءة في تصريف الغازات تحت وطأة التوتر والإجهاد البدني.

علاوة على ذلك، يلعب “الميكروبيوم المعوي” أو مجتمع البكتيريا النافعة دور البطولة في هذه الدراما الهضمية. فتبدل مواعيد الطعام يفرض على هذه البكتيريا نمطاً جديداً من التخمير، قد ينتج عنه زيادة مؤقتة في الغازات كنوع من التكيف مع النظام الزمني الجديد. ويصاحب ذلك غالباً بطء في حركة الأمعاء ناتج عن نقص التروية المائية خلال ساعات النهار، مما يجعل مرور الطعام داخل الجهاز الهضمي عملية شاقة ومطولة. وهنا تظهر أهمية الحركة؛ فالمشي الخفيف بعد الإفطار بساعتين ليس مجرد رياضة، بل هو محفز ميكانيكي يساعد الأمعاء على استعادة نشاطها وتصريف الفضلات والغازات بفعالية، جنباً إلى جنب مع ضرورة توزيع شرب الماء بذكاء بين الإفطار والسحور لضمان سيولة العمليات الحيوية.
في النهاية، يظل الانتفاخ الرمضاني في أغلب حالاته رسالة من الجسد بضرورة العودة إلى “التأني الواعي”. إن تنظيم ساعات النوم، والابتعاد عن المشروبات الغازية التي تضاعف عبء الغازات، وتناول الطعام ببطء، هي المفاتيح الحقيقية لصيام مريح. وفي حال استمرار المشكلة بشكل مؤلم أو ترافقها مع أعراض غير معتادة، فقد يكون ذلك إشارة لحساسية كامنة تجاه بعض المكونات مثل “اللاكتوز” أو “الغلوتين”، مما يستوجب استشارة طبية متخصصة. الهدف في رمضان 2026 هو أن نصوم لنرتقي بأجسادنا وأرواحنا، لا أن نثقل كاهلها بسلوكيات تحرمنا من لذة الراحة والسكينة.






